أرشيفدراسات وبحوث

فاتورة الحرب الإنسانية تنبئ بكارثة غير مسبوقة ..

المدونة اليمنية -خاص

فاتورة الحرب الإنسانية تنبئ بكارثة غير مسبوقة ..

المدونة اليمنية – خاص :

شهدت اليمن انقلابا على الدولة في 21 سبتمبر 2014 قادته جماعة الحوثي التي حصلت على تسهيلات من حليفها آنذاك الرئيس السابق علي صالح الذي كان لا يزال يسيطر على الكثير من وحدات الجيش، لتقوم جماعة الحوثي بعد ذلك وتحديدا أواخر مارس 2015 بقصف قصر معاشيق في عدن والذي كان يقيم فيه الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي كما قامت باجتياح المدن عسكريا ما جعل الرئيس الشرعي يطلب تدخلا عسكريا من التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات والذي استجاب لهذه الدعوة بشن عمليات عسكرية لاستعادة الشرعية لا تزال مستمرة إلى اليوم.
الحرب التي تشهدها اليمن وتدخل عامها الرابع ألقت بظلالها وتأثيراتها على جميع الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن تأثيرات الحرب على الجوانب الإنسانية تبقى بمثابة الحرب الخفية التي تسببت بحدوث أكبر كارثة إنسانية في العالم وتضرر منها جميع أبناء الشعب اليمني البالغ عددهم ما يقرب من 30 مليون نسمة.

أزمة إنسانية هي الأسوأ في العالم تشهدها اليمن بسبب الحرب، لكن الحروب دائما ما تأتي كنتاج للصراع على السلطة والحكم، ولذا فإن الجانب السياسي يتصدر اهتمام المتابعين للحرب وصانعي القرار فيها، في حين يغيب الجانب الإنساني والذي محوره الإنسان، ولو لم يكن الإنسان بلا قيمة في مجتمعات الحروب ما اندلعت الحرب أصلا، ولا جاءت نتائجها الكارثية.

أبرز مظاهر الأزمة الإنسانية الناتجة عن الحرب في اليمن تجلت في الجانب الاقتصادي المتدهور والذي جعل اليمنيين في مواجهة مباشرة مع المجاعة، حيث تسببت الحرب باتقطاع تام لرواتب الموظفين الحكوميين، وازدياد البطالة وانقطاع فرص العمل، وتدهور العملة الوطنية التي وصلت إلى أدنى مستوياتها حيث بلغت 800 ريال مقابل الدولار الواحد، كما شهدت السلع الغذائية والمشتقات النفطية ارتفاعا مهولا فاقت نسبته 200% وهو ما جعل البلد مهددا بالمجاعة .
كما تسببت الحرب بتوقف الموانئ والمطارات ما أدى إلى عرقلة استيراد السلع الأساسية وهو ما زاد من صعوبة الحياة المعيشية لليمنيين، خاصة أن حجم الواردات التي يعتمد عليها اليمن حوالي من 80 إلى 90 في المائة من الأغذية والوقود والأدوية.
بالإضافة إلى ذلك تعرض عدد كبير من المصانع للقصف فيما توقفت مصانع أخرى بسبب انعدام الوقود وانطفاء الكهرباء، وقد أدى توقف المصانع إلى توقف الانتاج لكثير من السلع بالإضافة إلى تسريح آلاف العمال الذين فقدوا وظائفهم، ومصادر دخلهم وزاد من عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر.

فقد تسببت الحرب في توقف شبه تام للقطاع الخاص في ظل انعدام الطاقة اللازمة للتشغيل وخاصة المشتقات النفطية التي انعدمت وتضاعف أسعارها بشكل مهول بسبب توقف الانتاج والتصدير في معظم آبار النفط والغاز في حضرموت وشبوة ومارب، وهذا ما انعكس سلبا على المصانع والمعامل.

وبحسب تقارير صادرة عن هيئات تابعة للأمم المتحدة فإن اليمن تشهد أسوأ أزمة إنسانية نتيجة الصراع الذي تسبب بآثار مدمرة وكارثية، حيث يحتاج أكثر من 22 مليون شخص إلى المساعدة العاجلة، كما أن هناك 17 مليون جائع في اليمن بنسبة 60% من إجمالي عدد السكان لا يعرفون مصدر حصولهم على الوجبة الغذائية القادمة، ويفتقدون لمياه الشرب النظيفة والصرف الصحي الملائم، وهو ما يزيد من خطر الاصابة بالأمراض والأوبئة وخاصة الكوليرا والملاريا.

وأدى اندلاع الحرب في اليمن إلى أزمة نزوح هي الأكبر، حيث بلغ عدد النازحين بسبب الحرب في اليمن أكثر من 3 ملايين ومائة ألف نازح ما يشكل نسبة 13% من إجمالي عدد السكان في اليمن، وفقا للبيانات التي أعلنت عنها الأمم المتحدة في تقريرها عن العام 2017، حيث نزح عدد كبير من هؤلاء إلى المدارس ومقرات المؤسسات الحكومية الأخرى في ظل انعدام تام للخدمات العامة.
كما أن أزمة النزوح قد تسببت بانقطاع 2 مليون طفل عن الذهاب للمدارس بسبب نزوحهم مع عوائلهم إلى مناطق أخرى وخاصة إلى الأرياف، بالإضافة إلى أن الحرب قد تسببت بتدمير آلاف المدارس تدميرا كليا وجزئيا وهو ما ساهم في انقطاع معظم الأطفال عن مواصلة التعليم.
كما تسببت الحرب بتدمير البنية التحتية للبلد والتي تعرضت للقصف، وانعكس ذلك سلبا على الخدمات العامة التي تعرضت للتدمير والتوقف كالكهرباء والمياه والصرف الصحي وتضرر المستشفيات والمدارس والطرقات، وتسبب ذلك في انهيار الاقتصاد الوطني وانعدام مصادر الدخل للمواطنين وصعوبة حياتهم المعيشية في ظل توقف حركة دخول وخروج السلع والخدمات للمواطنين العاجزين عن توفير الحد الأدنى من المتطلبات.
في الجانب الصحي تسببت الحرب المتصاعدة في اليمن بكارثة صحية لا مثيل لها حول العالم، حيث أغلقت معظم المستشفيات والمراكز الصحية أبوابها بعد تعرضها للقصف وانعدام الأدوية والأوكسجين ونزوح الطواقم الطبية إلى مناطق أخرى بعد زيادة الخطر الأمني عليهم وانقطاع المرتبات.
كما أدت الحرب إلى تلوث مصادر المياه وانهيار خدمات الصرف الصحي، وتوقف معظم المستشفيات والمراكز الصحية عن العمل، وتجلت هذه الكارثة في انتشار عدد من الأمراض والأوبئة أبرزها تفشي وباء الكوليرا في 19 محافظة يمنية من بين 21 محافظة والذي تسبب بوفاة الآلاف، وتشير الاحصائيات إلى أن 30 % من المصابين بهذا الوباء هم من الأطفال، كما أن عدد الحالات المتوقع اصابتها بالوباء تصل إلى مليون حالة.

وتشير التقارير أن أكثر من 8 ملايين شخص يعانون من انعدام المياه النظيفة والمرافق الصحية، ما يجعلهم عرضة لخطر تفشي الأمراض مثل الكوليرا والأمراض المعدية، وهو ما يستدعي التحرك العاجل من قبل المنظمات الدولية لايقاف الكارثة الوشيكة من خلال توفير المياه الصحية النظيفة والمرافق الصحية المناسبة، بالاضافة إلى توفير الأدوية اللازمة ودعم المستشفيات والمراكز الصحية.

وتشير التقارير الصادر عن المنظمات الدولية إلى أن هناك زيادة مهولة في حالات سوء التغذية لدى الأطفال في اليمن، ويقدر العاملون في المجال الإنساني أن كل 10 دقائق يموت طفل أصغر من خمس سنوات لأسباب يمكن الوقاية منها.

وقد كانت المرأة اليمنية أكثر فئات المجتمع المتضررة من الآثار النفسية للحرب حيث زاد معدل تعرضها للعنف، وقد قدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان أن معدلات العنف ضد المرأة زادت بمعدل أكثر من 63% منذ عام 2015، مما يعني أن هناك نحو 2.6 مليون امرأة وفتاة معرضات للخطر.

الحرب المستمرة للعام الرابع زادت من صعوبة توفير مواد الإغاثة والمواد الغذائية والموارد المادية للمتضررين، وكذا صعوبة توفير الفرق الطبية المتنقلة للمرافق الصحية، كما أن تعرض بعض أعضاء المنظمات الدولية للقتل والاختطاف والمضايقات قد زاد من صعوبة عمل المنظمات الاغاثية التي غادرت بعضها اليمن نتيجة عدم قدرتها على توفير بيئة آمنة لموظيفها والعمال التابعين لها، وهو ما انعكس سلبا على ملايين اليمنيين الذين يحتاجون لإغاثة عاجلة.

هذه الأرقام والوقائع تشير إلى حجم الكارثة التي أنتجتها الحرب، وهي كارثة متفاقمة في ظل استمرار الحرب التي كلما طالت أكثر كلما غض العالم عيونه عنها وأصبحت شيئا لا يعنيه، ما يجعل من الواجب ارتفاع الصوت الإنساني المنادي بإيقاف الحرب، ومعاقبة المتسببين بها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق