أرشيفمقالات وتحليلات

(تفتيت اليمن في وجه الحوثيين)

المدومة اليمنية _خاص

▪ رغم أنهما متباينان على صعيد الخطاب والدوافع، إلا أن طرفي الصراع اليمني، في الوقت الحالي على الأقل، يتكاملان في عدد من الصفات والعناصر والمضامين التي تشترك من حيث كونها ذات منحى انقسامي وتفكيكي للكيان الوطني.
الحوثي يخوض الحرب بمنطق تفكيكي انفصالي (دون وطني) مذهبي ومناطقي وعرقي كهنوتي، منطق فوق وطني (الإسلام السياسي الشيعي بزعامة إيران ومحورها الإقليمي). ليس في أدبيات الحوثيين وبرامجهم التثقيفية ما يوقظ ويخاطب الروح الوطنية اليمنية الجامعة، بما في ذلك محاضرات المؤسس حسين الحوثي، التي هي بمثابة مادة التثقيف الأساسية للمنتمين للجماعة.
تعاليم وأفكار الحوثي المؤسس، والتي تستخدم بكثافة في التعبئة والتثقيف الداخلي للجماعة وللتشكيلات العسكرية، لا تصنع سوى وعي مذهبي ووعي سلالي أو وعي سياسي ديني إسلاموي (شيعي) في مواجهة اليهود والنصارى و”المنافقين” والطوائف الإسلامية الأخرى. الإطار الذي ترتكز عليه استراتيجية الحوثي مغلق تقريباً، أو على الأقل عديم الفعالية بالنسبة لكل ما يقع أولاً خارج دائرة الهاشمية السياسية، وثانياً خارج دائرة الجغرافيا التاريخية للمذهب الزيدي. فالجهود الحوثية تنصب أساساً في اتجاه التأثير على هاتين الدائرين بخطوطهما المتخيلة.
▪ لا شيء أوضح من الواقع الانفصالي الذي تظهر فيه جماعة الحوثي. لقد تسببت هذه الجماعة في صنع واقع انفصالي مكتمل الشروط على الأجزاء الشمالية والغربية من البلاد، بما في ذلك عاصمة الدولة ومركزها.. لكن قلة قليلة يتحدثون عن هذه المسألة في سياق الخطاب الإعلامي والسياسي للأطراف المساهمة في الحرب ضد الحوثيين.
في الحقيقة، يوجد أكثر من تفسير لهذا النقص الفادح الذي يعتور استراتيجية الحرب، سنركز على تفسير واحد يتعلق بعجز الحكومة “الشرعية” عن تأسيس مركز سلطة من شأنه التحكم، برؤية وطنية منسجمة مع فكرة “الشرعية”، في المساحة المترامية الأطراف التي تم إخلاؤها من الحوثيين.
هذا العجز بالتحديد هو الذي يجعل من أي خطاب يصف جماعة الحوثي بالانفصالية، فاقداً المصداقية والأثر. لا يمكن إظهارها في صورة الجماعة الانفصالية إلا بالقياس إلى مركز وطني توحيدي. وهذا المركز لا وجود له حتى الآن. سيقال عدن. لكن عدن خاضعة لجماعة انفصالية فخورة بانفصاليتها، بينما جماعة الحوثي انفصالية عملياً، لكنها لا تعترف بذلك، بل إنها تطرح ضمن خطابها دعاوى وحدوية تتحدث عن الأجزاء اليمنية التي انتزعها التحالف بقيادة السعودية من سيطرتها، باعتبارها أراضي يمنية محتلة.
كان يمكن لمدينة عدن أن تضطلع مؤقتاً بهذا الدور الوطني على أفضل وجه، في حال كانت محكومة بالفعل من قبل السلطة “الشرعية” المعترف بها دولياً. وهذا الشرط غير متوفر.
▪ النظرة المناطقية أو العرقية أو الطائفية للحوثي لا تُنتِج إلا بُنَى وهياكل سياسية وعسكرية متجانسة مناطقياً وطائفياً، وموصدة على أساس خطوط تقسيم متخيلة.
بل إن كل تأطير دون الوطني للصراع، هو، في العمق، استراتيجية تفكيك ليس من شأنها أن تفضي إلى أكثر من قضم وتقليص منطقة سيطرة الحوثيين، لا إلى إسقاطهم وتخليص مركز الدولة من قبضتهم كهدف معلن للحرب. هذا الهدف لن يتحقق إلا عن طريق استراتيجية توحيدية تعمل من منطلق كون اليمن فضاءً سياسياً واحداً.
غياب الإطار الوطني معناه أن يخاض الصراع مع أو ضد الحوثيين من مستويين: الأول (دون وطني) والآخر (فوق وطني). المستوى دون الوطني هو أن تتم التعبئة والتجييش ضد الحوثيين أو مع الحوثيين من خلال مخاطبة الهويات والحساسيات دون الوطنية: الجهوية والمناطقية والمذهبية، بدلاً عن التعبئة والتجييش عبر مناشدة الهوية الوطنية الجامعة. والمستوى فوق الوطني هو عملية التدويل للصراع اليمني، وتحويله إلى مجال للاستقطاب والتنافس الإقليمي الحاد، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
صحيح أن الأطر دون الوطنية أدت إلى خسارة الحوثيين مساحات واسعة من البلاد، وتحجيم رقعة نفوذهم، إلا أنها، من جهة أخرى، ساعدت في تثبيت وتحصين وضع الحوثيين المكتسب داخل هذه الرقعة الصغيرة.
▪ وإذا كانت استراتيجية المواجهة التي تعمل من المستوى دون الوطني، قد وفرت أداة سريعة وفعالة لإجلاء الحوثيين من الجنوب وأجزاء من تعز وعدد من المناطق في الشمال، فإنها أفادت الحوثيين بالقدر نفسه، من حيث كونها حددت للحرب ضدهم نقطة نهاية قصوى لا سبيل إلى تخطيها. ذلك أن هذه الاستراتيجية تتمحور حول تفتيت اليمن في وجه الحوثيين، وهو الأمر الذي يعطي مفهوماً آخر للهزيمة، يتوقف عند حصرهم في النطاق الجغرافي الذي يشمل العاصمة وشمالها ومحيطها وصولاً إلى صعدة.
أي أنها استراتيجية محدودة النتيجة رغم كل الأهداف المعلنة الطنانة للتحالف بقيادة السعودية. عملياً، يصبح هدف إسقاط الحوثيين متعذراً تماماً وغير واقعي، على الأرض، يستبدل بهدف آخر، هو إسقاط اليمن وتفكيكها ومواصلة إعطابها تدريجياً إلى الحد الذي يبقي فيه للحوثيين قطعة من الحطام.
هذه النتيجة ليست سيئة تماماً بالنسبة للحوثيين، قياساً إلى أهدافهم وطموحاتهم الانفصالية الواقعية، والتي تتخذ من الشطط والرطانة الوطنية قناعاً لها.
ومع ذلك، هي بالتأكيد نتيجة تهزم ادعاءات الحوثيين البراقة عن تحقيق السيادة والكرامة الوطنية، وكذلك محاولتهم الهزيلة لتصوير أنفسهم كحركة تحرر وطني، لكنها بالمقابل تهزم الادعاءات التحررية المشابهة التي ترفعها الأطراف اليمنية الأخرى المنضوية تحت قيادة التحالف السعودي.
لو كانت تتمتع بالمصداقية، لأمكن لفكرة الشرعية الدستورية أن تؤدي بفعالية وظيفة الإطار الذي يتصف بالبعد الوطني، من حيث قدرة قضية كهذه على تجميع الطاقات المناهضة للحركة الحوثية من كامل الجغرافيا اليمنية بتنوع تضاريسها وخصوصياتها الاجتماعية وخلفياتها التاريخية. خمول وضعف شخصية الرئيس هادي، علاوة على سجله في التفريط بشرعيته، وسلوكه المشبوه الذي انتهى بسقوط صنعاء عام 2014، ثم فراره إلى عدن بلا نصير، بعد أن تجرد من أي مصدر ذاتي للقوة، كل ذلك أفرغ موضوع الشرعية من الأدوات المادية، ونزع عنها المصداقية المعنوية، ولم تعد صالحة سوى للاستخدام السعودي كغطاء شبه قانوني لحملتها العسكرية المباشرة في اليمن.
في ، هناك حكومة شرعية ورئاسة معترف بهما دولياً، بينما ظلت التشكيلات الحقيقية النشطة على الأرض تتألف بموجب أفكار وحساسيات مغلقة (دون وطنية) لا تكاد تتخطى الحدود الوهمية لنطاقات محلية إما جهوية أو مناطقية أو مذهبية، أو خليط من هذه العناصر مجتمعة.
هذه التأطيرات للصراع هي التي، بقصد أو بدون قصد، نعمت منذ البداية بالرعاية والتمويل والتسليح من طرف التحالف بقيادة السعودية، وبناء عليها تم التجنيد وعمليات التعبئة والتنظيم الميداني، وبقي الإطار الرسمي للحرب ممثلاً بالحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، يستعمل بشكل حصري لاستقطاب نخب ومشائخ وموظفي دولة من شمال الشمال، واستضافتهم في المنافي.
الخلاصة هي أن التعريف الوطني للصراع تحت عنوان الشرعية، لم يتعدَّ كونه شكلاً فارغاً يفتقر للأدوات المؤثرة على الأرض. الأطر دون الوطنية فعالة، لكنها احتفظت بكونها حواجز عازلة في وجه مناهضي الحوثي المنتمين إلى مناطق صنعاء وشمال الشمال

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق