أرشيفمقالات وتحليلات

هل انتصرت مليشيات الحوثي في احداث 2 ديسمبر ..

المدونة اليمنية - إبراهيم الأمير

كانت الأعوام الثلاثة من تاريخ الانقلاب على نظام الحكم في العاصمة صنعاء، كفيلة بتغلغل جماعة الحوثي في مختلف مفاصل الدولة، وسعيها الحثيث لنخر المؤسسات من الداخل، والاستحواذ على مقدراتها ونهب مواردها، بدءاً بالبنك المركزي، مروراً بالهيئة العامة للتأمينات والمعاشات، وليس انتهاءً بشركة التبغ والكبريت الوطنية، علاوة على ما يتم تحصيله بشكل طوعي أو بالقهر والإرغام وقوة السلاح تحت مسمى المجهود الحربي.
ومثلما تمكنت من الاستيلاء على المؤسسة العسكرية، ونهب مخازن السلاح ومقدرات الجيش اليمني، وتحويله إلى مليشيات، ها هي تحوز على نفوذ مادي يمكنها بسهولة من كسب الولاءات والتأييد سواء عن طريق توزيع المناصب، أو من خلال تعزيز النزعة السلالية والمذهبية والطائفية، لتبرز مع الوقت ملامحها الحقيقية الأكثر بشاعة.
على الواقع العام، لم تكن الجماعة تشكل رقماً دون تحالفها مع المؤتمر الشعبي العام الذي عزز كثيراً من صمود الجبهة الداخلية. مع هذا، لم يكن الأمر ليدوم طويلاً، فهو تحالف فرضته ظروف الحرب ليس إلا. وحدث غير مرة، أن تطرق الزعيم لهذا الأمر، في العديد من خطاباته التي كان الناس ينتظرونها بفارغ صبر، علهم يستشفون بارقة أمل في الأفق المظلم، وكونهم يستمدون منه قوتهم ومبررات صبرهم وصمودهم، فهو غالباً ما يظهر بقوة تماسكه ورباطة جأشه المعهودة. وقد كانوا أو الغالبية العظمى منهم على ثقة بمقدرته على إعادة الموازين إلى نصابها.
كان يدرك جيداً نقض الجماعة الحوثية للمواثيق، وعدم مراعاتها للاتفاقات، وهو أمر لا يختلف اثنان على أنه من صميم طبيعة الجماعة وسلوكياتها، بل حتى في تعاملاتها البسيطة والعادية.
إنها من الغل والضغينة على صالح كرئيس سابق خاض معها الجيش في عهده 6 حروب، لقمع تمردها على الدولة، وهو ما يشير إلى أن تحالفها معه ليس أكثر من ممالأة ممنهجة لحين تسنح الفرصة.
وقبل هذا وذاك، هناك حسابات أخرى تراعيها الجماعة الحوثية، باعتبارها من حيث المبدأ أداة رخيصة وسيئة من أدوات الخارج، وانعكاساً دوغمائياً لسياساته وتوجهاته في المنطقة غالباً وأبداً. ومهما ادعت تبنيها الموقف الوطني، وتمسحت زيفاً بالهوية اليمنية، والدفاع عن الوطن، إلا أنه يستحيل عليها العمل دون الانسجام والتناغم الشديد مع ما ترتبه حوزة الملالي الإيرانية، وتأدية الدور المرسوم لها سلفاً بعناية والتزام.
كما لم تحاول الجماعة، في مناصفتها الحكومة مع المؤتمر، إتقان تمثيل دور الشريك، وإنما دور المتفضل والابتزازي، بحيث تكون للمشرف الحوثي على المؤسسة أو المحافظة سلطته الفوقية على الوزير أو المحافظ المؤتمري.
عقب احتفال المؤتمر الشعبي العام، في 24 أغسطس 2017، بذكرى التأسيس، في ميدان السبعين، وبعد سلسلة من الأزمات الإعلامية والتخوين، ها هي الجماعة تبرز ملامحها الحقيقية الأكثر وحشية وقتامة، بل شرعت باتخاذ مواقف أكثر عدائية، كان آخرها القيام، وبشكل استفزازي، باستحداث نقاط تفتيش في الشوارع الأقرب لمنزل صالح، الأمر الذي ترتب عليه مقتل الشهيد البطل خالد الرضي، وما تلى هذا الحادث من وساطات للمصالحة، فشلت بفعل تعنت الجماعة، وما تبيته من نوايا خبيثة، وصولاً للتهديد باقتحام منازل قيادات المؤتمر وأقارب الزعيم، لينفجر الوضع صبيحة الثاني من ديسمبر .
أجل، لقد حاول الزعيم صالح ترويض الأفعى بما يطيل من عمر الدولة كمؤسسة لها قوانين ولوائح سارية المفعول على الأقل في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مستفيداً من عامل الوقت، وما تدخره الجمهورية والنظام الجمهوري في البلد من أدوات وقيم ومفاهيم يستحيل على جماعة كهنوتية ورجعية استيعابها، فكيف بالتعاطي الإيجابي معها..!
أظنه كان ينظر لاحتمال ذوبان أو تفتيت العقلية المتحجرة، واحتمال توفر فرص وعوامل إنهاكها بفعل صدامها مع الواقع المتفوق عليها في جانب الوعي بالتاريخ وأبجديات العصر الحالي، أو احتمال حلحلة الوضع بتدخل خارجي، لكنه كان قد يئس من هذا الأخير، ليجد نفسه وجهاً لوجه في مواجهة هذا العدو المتربص وغير المحترم، وهو الذي لطالما احترم الأعداء، ويسعى جاهداً لتقدير الخصوم وتذويب غلهم والأحقاد الكامنة في صدورهم. بيد أنه اليوم أمام عدو لاأخلاقي من حيث المبدأ، يضم في طياته حثالة العصور السابقة واللاحقة.
مع هذا، فقد أمكن لانتفاضة ديسمبر بقيادة الزعيم، وبثلة قليلة ممن بقي معه من جيش الدولة، تحقيق أهدافها. كانت فعلاً على وشك كسر عظمة المليشيات، ورميها لكلاب طوق صنعاء. لكن ماذا لو كانت تلكم الكلاب قد باعت نفسها  للشيطان، وسخرت لخادمه الفرصة مرة أخرى، بحيث مكنت التعزيزات الحوثية من دخول صنعاء، والتواطؤ معها في اغتيال الزعيم الذي جسد أروع صور البطولة والموت بشرف وكبرياء، بحيث لم يمكنهم من المساس به وهو حي. بينما لم يكن قتله كشخص أو كزعيم حزب سياسي، أو حتى كرئيس سابق، وإنما لما يمثله من رمزية الدولة والجمهورية؛ رمزية الحاكم الذي خدم الوطن 33 عاماً، عمل خلالها بكل جهد على تحقيق سيادته، وتجسيد تطلعاته، والحفاظ على مكاسبه ومقدراته، وتمثيله على الوجه المطلوب في المحافل الدولية. ولئن كان لنظام حكمه من الإخفاقات، فذلك دأب كل الأنظمة الحاكمة، ولا يسلم نظام حكم من هفوات وتقصير.
لقد حدثت انتفاضة ديسمبر، وكان الثمن غالياً وكبيراً ومهولاً وموجعاً لكل إنسان يمني، حتى خصوم صالح وأعدائه. ولئن شعرت الجماعة الحوثية بالاحتفاء لقتله، وامتلأت بزهو الانتصار الفارغ، فهي للحقيقة قد خسرت الكثير، بل إنها لمن الخاسرين كل يوم، حتى الوقت الراهن ومستقبلاً، إن كان ثمة مستقبل لها.
خسرت ما كان يشكله الزعيم من مكسب شعبي، وغطاء سياسي، وشريك مهم كان ينبغي عليها الاحتفاظ به كمحور ارتكاز المعادلة، وبؤرة تهديد تغيظ بها كيد الكائدين.
مع هذا أعود للقول بأن الجماعة لا تملك شيئاً من أمر نفسها، إنها فقط مجرد أداة، والأدوات في الغالب يتم استهلاكها لبعض الوقت، واستبدالها عند أول فرصة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق