أرشيفتقارير

اتفاقية السويد والسيادة اليمنية..

المدونة اليمنية - د. صادق القاضي

اتفاقية السويد والسيادة اليمنية..
بين الواقع والشعار الانتهازي.
د. صادق القاضي.

لن تكون هذه هي المرة الأولى التي تتواجد فيها قوات أممية في اليمن، فقد سبق لأصحاب القبعات الزرقاء هؤلاء أن انتشروا في هذه الزاوية الملتهبة من العالم، خلال حروب الثورة اليمنية المجيدة ضد الإمامة،وبالتحديد من يوليو 1963 إلى سبتمبر 1964م.
تم ذلك بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 174 بتاريخ 1963م، وتمثلت مهمتها آنذاك بحفظ السلام، ومراقبة تدخل القوى الإقليمية في الحرب الأهلية اليمنية.. وقد دفعت الدول المتدخلة “السعودية ومصر” نفقة تلك القوات الدولية.
يُفترض أن تدفع إيران ودول الخليج نفقة القوات الأممية هذه المرة، فكما في معظم الحروب الأهلية اليمنية، الحديثة على الأقل، لا يمكن نزع الحرب اليمنية الراهنة عن سياقها الإقليمي، أو القول أنها -رغم شعارتها الوطنية المحلية- ليست حربا بالوكالة عن أطراف دولية.
يُفترض أيضاً، كما في الوضع الحالي، أن كلا طرفي الحرب الأهلية، في ستينيات القرن الماضي، كان قد زايد حينها على الطرف الآخر بورقة السيادة، واعتبر أن تدخل مصر أو السعودية بالشأن اليمني انتهاك لتلك السيادة.. ثمّ.. بضغوط من الدولة الراعية، قَبِل بتدخل حتى القوات متعددة الجنسية.!
أياً كان الأمر.. وكما في لبنان والصومال والكونغو وأوغندا وراوندا وبروندي .. وغيرها من الدول التي تواجدت فيها قوات أممية، لا تستخدم قوات الأمم المتحدة العنف، وتنحصر مهمتها في الرقابة لا الوصاية، ولا علاقة مباشرة لتواجدها في بلد بانتهاك سيادة قائمة في هذا البلد، إن لم تكن سيادته قد تقوضت مسبقاً من الداخل والخارج.
بعبارة أخرى قوات الٱمم المتحدة لا تتدخل أصلاً في بلدان تمتلك “السيادة” بأبسط معانيها المتمثلة باحتكار الدولة للسلاح والسلطة والقرار وفرض القانون الملزم لكافة المواطنين والجماعات والمؤسسات داخل حدودها الجغرافية.
بالنسبة لليمن، وعلى ضوء هذا المفهوم الأبسط للسيادة، لا قلق على السيادة من تواجد قوات أممية، ومن المزايدة المكشوفة الحديث عن سيادة تم انتهاكها مسبقاً من الداخل ومن الخارج، أكثر من مرة، وعلى أكثر من صعيد، طوال السنوات والعقود الماضية.
مع اجتياح مليشياتهم الدينية المسلحة للعاصمة صنعاء، سبتمبر 2014م، والانقلاب على الإجماع الوطني، وملشتة الجيش، وإخضاع المؤسسات للمشرفين.. وضع الحوثيون آخر مسمار في نعش السيادة اليمنية المتهالكة، ثم حملوا قميصها للمزايدة على الداخل والخارج.
وإلى ذلك، تم انتهاك سيادة اليمن مسبقاً:
– ٱولاً . عملياً داخلياً : بوجود مليشيات مسلحة، من كل نوع، تعمل خارج الدولة وتنازعها السلطة والنفوذ وصناعة القرار.
– وثانياً . رسمياً خارجيا: بإدارجها ضمن البند السابع للأمم المتحدة.
هذا بجانب أن السيادة اليمنية، لم تكن من قبل، بأوج كمالها، لأسباب عدة، منها:
– أن مراكز القوى خارج الدولة، كانت تتحكم بالدولة، حيث يتجاوز نفوذ بعض شيوخ القبائل ورجال الدين نفوذ الوزراء، بل وأزاحوا حتى بعض رؤساء الجمهورية.
– تعامل بعض القوى الإقليمية” مع اليمن من نافذة “اللجنة الخاصة” لا من باب الدولة”، في ظل نفوذ إقليمي كان ينخر النظام الجمهوري حتى العظم، وحال دون وصول الدولة إلى كثير من مناطق شمال الشمال.
من هذه المناطق بالذات ظهرت الجماعة الحوثية، ومنذ البدء مثلت هذه الجماعة ظاهرة كهنوتية مليشياتية ضد الدولة، وعلى حساب حق الدولة في احتكار السلطة والسلاح والقرار وبسط سيادتها على كل شبر في الجغرافيا اليمنية.
في سياق ذلك، كانت أحداث ٢٠١١م، بما ترتب عنها، بمثابة الباب الكبير لكل الانتهاكات في ما يتعلق بالدولة والسيادة، إذ سرعان ما انقسم الجيش، وتعسكرت قوى الثورة السلمية، ما انتهى في مجمله إلى تدويل القضية اليمنية، وتحكيم المبادرات الإقليمية، ووضع اليمن تحت وصاية البند السابع للأمم المتحدة.
جميع القوى السياسية اليمنية شاركت في هذا التدويل على حساب مبدأ السيادة، وجميعها الآن، وبدرجات متفاوتة، تزايد بشعار سيادة بلد لا سيادة فيه إلا للمليشيات والجماعات المسلحة!.
لكن الحوثيين بشكل خاص، حتى من قبل اجتياحهم للعاصمة صنعاء، ومن قبل التدخل العسكري الخليجي، ظلوا ينفخون بلا هوادة على هذا الكير الخطِر، متناسين ببرود عجيب أن انتهاكهم للسيادة اليمنية في الداخل، فتح المجال لكل الانتهاكات الخارجية التي حدثت والتي لم تحدث بعد.
مؤخرا، وحسب تعبير المبعوث الأممي “جريفت” في تقريره لمجلس الأمن، انخرط الحوثيون “للغاية، وبشكل مكثف، وبحسن نية” في مشارورات السويد، التي سيترتب عنها، إشراف أممي على ميناء الحديدة، وربما تواجد قوات أممية في المدينة.
هذه خطوة إيجابية تحسب لصالحهم، وإن ترتبت عنها مشكلة سياسية أخلاقية بالنسبة لهم، فمشكلتهم ليست في انتهاك السيادة، بل في انكشافهم أمام أتباعهم ومقاتليهم، وتكشّف خطابهم الغوغائي، وشعاراتهم الفضفاضة في كل مرة عن النقيض.
في كل حال ما سيترتب عن اتفاقية السويد، في حال تم تنفيذ بنودها، في الحديدة، هو مجرد تحصيل حاصل، بالنسبة لسيادة منتهكة مسبقاً من قبل أطراف محلية ثم دولية عدة، دفعت باليمن إلى هذا الوضع الكارثي الفنتازي العجيب الذي يسقط فيه ملايين اليمنيين في هاوية المجاعة، ونخبه تزايد بسيادة انتهكت على أيديهم.!
لا معنى لسيادة في ظل مجاعة وحرب أهلية وتدخل أجنبي.. كما لا يمكن إعادة السيادة لليمن قبل العودة عن الانقلاب، وحل جميع المليشيات، وإعادة السلاح إلى مخازن الدولة التي يمكن أن يتفق الجميع حول شكلها على طاولة الحوار.
قبل ذلك تظل السيادة مادة للمزايدة الإعلامية السخيفة، التي تنتهي بالحرج وانكشاف التناقض المجنون بين الخطابات والشعارات الانتهازية، والممارسات الواقعية على الأرض.
..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق