أرشيفمقالات وتحليلات

بين الحوثيين وحكومة الشتات:

المدونة اليمنية - د. صادق القاضي

لنفترض جدلاً أن “الانقلاب” الحوثي عاد إلى رشده، أو أُجبر بالقوة، على الانسحاب من المناطق التي يسيطر عليها، وتسليم أسلحته ومعداته للقوى التي تقاتل تحت مظلة “الشرعية”.
– السؤال: هل هذه “الشرعية” جاهزة لهذا الاستلام؟ أو بتعبير أدق: هل هي -بوضعها الحالي- مؤهلة لإدارة الدولة، واستلام زمام السلطة والحكم في اليمن؟!
الجواب للأسف: لا.
لو كانت “الشرعية” تمتلك هذه الكفاءة والجاهزية، لبرهنت عليها بشكل عملي، ولو تراكمياً، خلال الفترة الماضية، في المناطق الحيوية الشاسعة التي تسيطر عليها من الجغرافيا اليمنية.
غياب الدولة، وحضور المليشيات بولاءاتها المتعددة، في هذه المناطق، بعد كل هذه السنوات، يبرهن عملياً على النقيض، ويلخص عملية “التحرير” بمجرد إبدال وإحلال للمليشيات، لينكمش المشروع الحوثي جزئياً لصالح تمدد مشاريع أخرى ليست بالضرورة لوجه “الشرعية” ولا “الدولة”.
في المقابل، لو افترضنا العكس جدلاً، واندحرت “الشرعية” في اليمن، لصالح استيلاء المليشيات الحوثية بشكل كامل ومطلق على هذه الجغرافيا المنكوبة..
– هل يمتلك الحوثيون الكفاءة لاستلام الحكم وإدارة أمور الدولة، ولو بالحد الأدني من قيم المؤسسية والمسؤولية والعدالة الاجتماعية؟!
الجواب بالتأكيد: لا.
تجربتهم الكارثية خلال السنوات الماضية، في المناطق التي يسيطرون عليها، تؤكد أكثر مما ينبغي، أنهم سيستمرون في اجتثاث بقية مظاهر وظواهر الدولة، والمجتمع المدني، ونهب الموارد، وقمع الحريات، والتحكم بمصالح الناس من خلال المشرفين، والتنصل من كل التزاماتهم تجاه الداخل، لصالح استمرارهم في الحرب على الداخل والخارج، وفتح جبهات جديدة لها.
باستثناء أن مليشياتهم المسلحة ارتبطت بالبطش والرعب، وانعكس ذلك شكلياً على “الوضع الأمني” في المناطق التي يسيطرون عليها، فشل الحوثيون، بشكل ذريع، في إدارة أيّ شيء، أو السيطرة على أيّ وضع في هذه المناطق.
بالمثل، وباستثناء دفع رواتب الموظفين، فشلت “الشرعية”، بشكل مريع، في حسم المعركة في المناطق الأكثر أهمية وكثافة سكانية في اليمن، والأسوأ فشلها في تطبيع الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية والإنسانية.. في المناطق الخاضعة نظرياً لسيطرتها.
كان فشل الحوثيين حتمياً.. حتى بدون الشرعية والمقاومة الشعبية والتدخل الدولي. يتعلق الأمر جوهرياً بإعاقات مزمنة في بنية الجماعة نفسها. بمرجعياتها ومنطلقاتها وممارساتها الأيديولوجية والاجتماعية، الطائفية والعنصرية.. التي تحول بينها وبين تحولها إلى دولة، أو تطبيع العلاقة بينها، كجماعة عازلة معزولة، وبين بقية مكونات الشعب اليمني.
يتعامل الحوثيون مع اليمن كـ”أرض بلا شعب”، كما لو أنهم -بالحق الإلهي، وبالحق السلالي- قد ورثوا “أرض الميعاد” هذه خالصة لهم من دون اليمنيين الملحقين بهذه التركة كأجراء وعمال وأتباع ومقاتلين.
قد يعني هذا -انسياقاً مع مفردات الدعاوى الإسرائيلية- أن الحوثيين “شعب بلا أرض”، وهو ما يتنافى مع كونهم يمنيين، وفي الواقع يصح هذا المصطلح للتعبير عن “الشرعية”، ممثلةً لبقية المكونات السياسية اليمنية، أو هكذا تبدو في الشتات، فرغم سيطرتها النظرية على ما يتجاوز ثلثي مساحة اليمن، إلا أنها ما تزال، إلى حدٍّ مخيف، مجردة من كيانها ووجودها الحقيقي الفاعل على الأرض، كأي عنصر ذهني عالق في الفراغ.
غير أن المقارنة لا تصمد حتى النهاية. الفشل هنا هو سيد الموقف على الجانبين: لا الشرعية، في وضعها الراهن، قادرة على إدارة الحرب.. ولا الحوثيون قادرون على إدارة السلام.
لكن فشل الشرعية يبدو، بشكلٍ ما، بلا مبرر وجيه، في ظل امتلاكها كل الأسباب النظرية والعملية للنجاح، من جيش ومليشيات بأعداد تقارب نصف مليون مقاتل، وموارد وإمكانات وكوادر هائلة، وغطاء شعبي ودعم عسكري وسياسي ومالي.. إقليمي ودولي.
والحقيقة أن فشل الشرعية يتعلق، هو الآخر، ببنيتها نفسها، أكثر مما يتعلق بالحوثيين، وهو ما يعلل بشكلٍ محبط كل هذا الفساد والتشظي والمحسوبية والشللية.. في أجهزتها المالية والإدارية، وكل هذه الفوضي والانفلات الأمني في المناطق التي تسيطر عليها منذ سنوات.
حتى الآن لم تستطع الشرعية بناء جيش مؤسسي موحد، ولا حتى تأمين مدينة واحدة، يمكن للقيادة السياسية والحكومة العودة إليها، والعمل فيها بشكل آمن من هجمات المليشيات والجماعات المسلحة المحسوبة عليها، والتي تمتلك أجندات وولاءات معارضة للدولة والشرعية.
حتى الآن، لم تمتلك هذه “الشرعية” دولة ولا سلطة، بالمعاني التقليدية المتعارف عليها للدولة والسلطة، وما تزال رغم كل شيء مجرد غطاء سياسي يشرعن لمراكز قوى سياسية ودينية واجتماعية.. تتوزع باسمها السيطرة الفعلية على الأرض.
هذا الأمر يهدد شرعية “الشرعية” نفسها بالتلاشي والزوال، لصالح أي طرف انقلابي، فالشرعية ليست دائمة، ولا يصح أن تظل طويلاً في معزل عن حياة الشعب والواقع العملي للبلاد.
في التاريخ اليمني الحديث، نجحت معظم الانقلابات السياسية، منذ البدء، باستلام زمام السلطة، وإدارة مصالح الناس من خلال الدولة، والسيطرة على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.. وبالتالي حظيت على الأقل بعدم الرفض الشعبي، وأصبحت “شرعية”.
“الحوثيون”، فقط، وللأسباب أعلاه وغيرها، ليسوا مؤهلين حتى أن يكونوا هذا الطرف الانقلابي. ومع أن قبضتهم الحديدية قد توحي أنهم أقرب لشكل الدولة، إلا أن “الدولة” لا تتم بمجرد السيطرة والبطش ورفع مسمى الدولة، كما في تجربة “الدولة الإسلامية” في العراق والشام.
بالموانع الذاتية نفسها يحاول الحوثيون الحصول على “الشرعية”، بتفسير أن كل الاتصالات الدولية بهم، اعتراف بشرعية الأمر الواقع، وليس للتعامل معهم كمشكلة.. لكن، وفي كل حال، لا يمكن لأية حركة شمولية دينية سلالية بمثل هذه العجرفة والبدائية والانغلاق عن الشعب والعصر والحياة.. أن تكتسب “الشرعية” حتى لو استتبت لها الأمور في الداخل، وحظيت ببعض الاعتراف الدولي.
لقد توفر الأمران لجماعة “طالبان الأفغانية” طوال سنوات. لكن، ولأسباب ذاتية كالتي لدى الحوثيين، لم تسعفها خبرتها في إدارة الحرب، في إدارة السلام، ودفعها فشلها في إدارة أمور الداخل، إلى تصدير الأزمات للخارج، وسقطت دولتها تبعاً لهذا الفشل.
ما تزال طالبان صامدة أمام أحد أكبر التحالفات العسكرية الدولية في التاريخ، وتفتخر بصمودها طوال كل هذه السنوات، كما يفعل الحوثيون، دون أن تتساءل الجماعتان عن جدوى الوهم المقدس الذي تحملانه، ولماذا لم يزدهر في ظلالهما سوى المقابر والسجون؟!
أياً كان الأمر:
– لا دولة بلا شرعية، إلا في ماضي الغزو والاحتلال، وحاضر “الحوثي”، وكل الانقلابات الدينية الشمولية التي لا تأبه لشرعية الأرض، وتزعم أنها تمتلك شرعية السماء.
– ولا “شرعية” بدون دولة، إلا في تجربة “الشرعية اليمنية”. وخيالات الحالمين، من أنصار المهدي المنتظر، وأمنيات السلالات الملكية الغابرة بالعودة إلى عروش فرنسا وروسيا ومصر وتركيا وإيران.
– ولا دولة بدون سلطة، إلا في تجربة “الشرعية اليمنية” أيضاً، وفي حالة كانت الدولة اسمية رمزية، كالدولة العباسية في عصرها الثاني، حين كان خطباء الجمعة يدعون للخليفة العباسي السجين في قصره، بينما السلطة الفعلية في يد أمراء الجيش من الأتراك وبني بويه.
في الأخير: نعم تحتاج “الشرعية” للكثير من الجدية والنزاهة والمثابرة في الإصلاح والتغيير والهيكلة المؤسسية لأجهزتها العسكرية والمالية والإدارية.. لتمتلك الكفاءة والجاهزية المطلوبتين لإدارة الدولة.
لكنها أهدرت الكثير منها خلال السنوات الماضية. وحتى يتم لها ذلك، تظل الشواهد العملية لتجربتها، في المناطق التي تسيطر عليها، ترسل الإجابات السلبية في كل الجهات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق