أرشيفسلايدرمقالات وتحليلات

(صنعاء.. الغنيمة والورطة)

المدونة اليمنية -خاص

كان سقوط العاصمة اليمنية صنعاء، في 2014، هو الحدث الذي نقل الحوثيين فجأة من جماعة صغيرة متمردة، إلى وضع تاريخي ليسوا أبداً مؤهلين للقيام بوظائفه ومقتضياته. لقد وجدوا أنفسهم، دونما كبير جهد، في موقع الوريث القائم على مركز دولة جمهورية، كانوا هم على الضد من خطابها ورموزها التأسيسية ومفاهيمها للوطنية.
بعبارة أخرى: الاستيلاء على العاصمة حدث له نتيجة هائلة، ليس بالنسبة إلى الكيان الوطني الموحد فحسب، بل بالنسبة لجماعة الحوثي على مستوى تطورهم الذاتي من حيث البنية التنظيمة والأيديولوجية والمصير.
وصنعاء، بحقائقها الديموغرافية الجديدة والمتعددة الخلفيات والمنابت والمصالح، هي ما سيحول دون فكرة التسليم الدائم بواقع انفصالي للمناطق الموجودة تحت حكم الحوثيين. وهذه المدينة العريقة، والمحاطة بهالة من السحر المعنوي في وجدان كل يمني، اكتسبت على مدى العقود الخمسة الماضية، شخصية اعتبارية مستقلة عن تصنيف مناطقي دارج يقسم اليمن إلى نطاقين متخيلين جرى إلباسهما لباساً مذهبياً؛ أحدهما زيدي، والآخر شافعي.
العاصمة، وبالنظر إلى ما تمثله لليمن الموحد، تضع على كاهل الحوثيين أعباء وطنية لا يطيقون حملها، وذلك بحكم تكوينهم اللاوطني. إنها تفرض عليهم أن يكونوا غير ما هم عليه، وتكلفهم “بواجبات قديمة تفرضها الجغرافيا السياسيّة (للمكان)، وأشكال مدينيّة ومؤسّسات وعادات وقواعد وطرق (توحيدية) من الاعتقاد والعيش”.
أي أن واقعة سيطرتهم على صنعاء، مثلما رأوا فيها غنيمة سهلة، إلا أنها من زاوية أخرى، أظهرتهم في موقف سلطة “انقلابية” يتوجب عليها ارتداء رداء الدولة الوطنية، وأن تتمنطق بمنطقها الذي يقوم على مخاطبة وتعبئة المشاعر الوطنية الجامعة، وبالتالي تبرير كل سياساتها وخطواتها ضمن مجال الدولة، وبحسب مصالحها العليا. وهو ما لم يكونوا قد أعدوا أنفسهم له على الإطلاق.
إنها لمهمة مستحيلة، علاوة على أنها لا تتفق مع مادة بنائهم الأصلية كجماعة متمردة نشأت وانتظمت على قاعدة دينية جزئية تفتقر لخصائص الفكرة الوطنية الجامعة، في بلد متعدد المذاهب، الأمر الذي يجعل الحوثيين في حالة من التعارض الحاد مع أسس وقواعد الدولة الوطنية.
من المفيد أن يفكر الحوثيون في مزايا الانكفاء إلى الموقع الضيق القديم لجماعة مسلحة منشقة في أقاصي الشمال، دأبت على تبرير حيازتها لأدوات العنف وممارستها له، بالقول إنه عمل من أعمال الدفاع عن النفس، بدلاً من ربط الأمر -على نحو غير قابل للتصديق- بأهداف وغايات وطنية كبرى من قبيل السيادة والاستقلال والتحرر.
بدون الانكفاء والتخلي عن صنعاء، لن يكون بمستطاعهم خفض الاشتراطات الصعبة التي يطالبهم بها وجودهم العسكري المنفرد في مركز الدولة وعاصمتها. الاشتراطات التي، بمعزل عنها، يمسي أي خطاب وطني ضجيجاً أجوف خالياً من المعنى وبلا مصداقية.
لكن، هل لا يزال ممكناً التراجع، بسلام، إلى النقطة التي كانوا فيها مجرد جماعة لم تكن تتعدّى مطالبها المعلنة الحصول على الاعتراف، ومحاولة تحسين مكانتها ومستوى تمثيلها في إطار الدولة؟
إن عملاً كهذا، لو قاموا به، ينطوي على فائدة واحدة مضمونة، وهي أنه سيعفيهم من حرج التناقض بين واقع سلوكهم “الانفصالي” المهيِّج للطائفية، وبين الدعاوى الوطنية الكبيرة التي يعلنون أنهم يناضلون من أجلها.
بدون صنعاء يصبح الحوثيون منسجمين مع واقعهم، ومع هويتهم السياسية كل الانسجام، تلك الهوية التي تجعلهم أقرب ما يكونون إلى ظاهرة من ظواهر التطييف والتقسيم المنتشرة في بعض دول منطقة الشرق الأوسط.
ضعف الانسجام، بالنسبة إلى جماعة من هذا النوع، هو بلا شك عنصر هشاشة وترهل، مقارنة بوضعية الانسجام التي تساعد على تركيز القوة داخل نطاق محدد لمدة أطول.
لا يمكنك أن تتحدث عن الوطنية إذا لم تكن وطنياً في فكرك ولفظك وانحيازاتك، وإذا لم يكن الإطار الذي تعمل من خلاله يتصف في بنائه وأساليبه وأهدافه، بصفات توحيدية عابرة للطائفة والمكان والعرق.
التدابير والتكتيكات ومجمل تصرفات الحوثيين، لا يمكن أن يُنْظَر إليها إلا بالقياس إلى ما إن كانت مطابقة لكل ما يعلنونه من أهداف وادعاءات عن تمثيلهم لقضية وطنية.. بينما واقع تلك التصرفات والتكتيكات يجعل من الصعب الدفاع عنها إلا بالمنطق الداخلي لجماعة قضيتها الجوهرية إعادة تمكين نظرية حكم مذهبية.
صنعاء، بصفتها عاصمة لليمن الموحد، تفرض معياراً عالياً للحكم على صلاحية سياسات وخطاب الجهة التي تسيطر عليها، بحيث يصبح الإطار الوطني بمعناه الجغرافي الممتد من صعدة إلى سقطرى، هو النقطة المرجعية التي يتحدد على أساسها الحكم على أخلاقية وشرعية كل سلوك وكل خطاب عام.
أن تستولي على السلطة في عاصمة الدولة، مع إقرارك المعلن بوظيفتها ومكانتها كعاصمة ومركز للدولة، فهذا يعني بالضرورة أنك جازفت بوضع ممارساتك وخطواتك موضع الفحص والتقييم وفقاً لما إن كانت ملائمة وحكيمة في نظر كافة مواطني الدولة من مختلف المناطق والمذاهب والجهات، وليس فقط وفقاً لما إن كانت ملائمة لتنظيمك أو أتباع مذهبك أو سلالتك أو منطقتك.
لماذا يبدو اتفاق الحديدة الأخير، على سبيل المثال، كأنه شيء محرج للحوثيين أكثر مما هو محرج للأطراف الأخرى؟ السبب هو أن الأحداث والنتائج تخضع لمنظور صنعاء كمركز للدولة، بعدما ورطت الحوثيين في دعاوى والتزامات وطنية علنية لا تنسجم، على وجه الإجمال، مع جوهر الجماعة.
في إطار المسرح الداخلي لجماعتك، تستطيع ببساطة الدفاع عن الوقائع التي قمت من خلالها بتغييرات عميقة طالت مجالات عمومية عدة، الجيش والقضاء والتعليم والإعلام، لكن على المستوى الوطني لن تجد ما يمكنك قوله لإقناع الناس خارج حدود الجماعة.
يمكنك أن تحصل على درجات ممتازة لو تم تقييم أدائك وأعمالك من وجهة نظر ما يسمى محور “الممانعة”، لكن من وجهة نظر أهدافك “الوطنية” المعلنة عن السيادة والاستقلال والصمود والاقتصاد والإدارة والنزاهة، لن تحصد أية درجة مقبولة.
أنت بالفعل صمدت كجماعة، لكن البلد منهار وممزق ومستباح ومحاصر. بالفعل استطعت أن تشكل إزعاجاً للسعودية من وجهة نظر الصراع القائم بينها وبين إيران. لكن عدّد لي مجموع الفوائد التي جلبتها لليمن.
يمكن أن تحصل على درجات ممتازة لو تم تقييم وضعك الراهن من وجهة نظر مذهبية، أو من وجهة نظر أهدافك الخاصة ذات الطابع الطائفي، والمصاغة في أدبياتك، وفي موادك التثقيفية الداخلية. لكن جرّب معاينتها على المقياس الوطني الكبير، لترى كيف ستبدو بغيضة وهدامة ومخزية!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق