أرشيفتقارير

هل تجاوزالحوثيون “الخطوط الحمراء”؟

المدونة اليمنية -خاص

“لم يكن اليمنيون بحاجة إلى أن يصل خبر اختطاف عشرات النساء في سجون سرية تتبع جماعة الحوثي في العاصمة صنعاء، إلى المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان، كان بالأحرى أن يتحرك أبناء القبائل اليمنية التي عُرف عنها النخوة وحفاظها الشديد على النساء، كان يجب أن يوقفوا استمرار هذه الجريمة التي فاحت روائحها الكريهة إلى كل مكان، وإطلاق سراح المختطفات كأقل واجب. “يا عيباه.. يا عيباه، العار على كل متخاذل”، هذا ما قاله المواطن عبدالإله الغادر، لمراسل “المدونة اليمنية” في صنعاء، تعليقاً على تقرير صادم صدر مؤخراً عن وكالة “أسوشيتد برس” العالمية للأنباء، يفيد بتعرض عشرات النساء للتعذيب داخل سجون سرية تتبع جهات أمنية في “البحث الجنائي” تابعة لجماعة الحوثي. وقالت الوكالة إن جماعة الحوثيين اختطفت عشرات النساء في العاصمة اليمنية صنعاء، دون تقديمهن للمحاكمة أو اتهامهن بجريمة. وأوضحت أن النساء اختطفن بتهم “البغاء” أو “التعاون مع التحالف” الذي تقوده السعودية لدعم الشرعية في اليمن، وأنهن “يتعرضن للتعذيب والابتزاز المالي من قبل المدعو سلطان زابن المعين من قبل جماعة الحوثي رئيساً لقسم التحقيقات في البحث الجنائي بصنعاء”، بحسب الوكالة. وكانت المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر، ومقرها العاصمة صنعاء، كشفت عن اختطاف وإخفاء قرابة 120 امرأة في العاصمة صنعاء. وقالت المنظمة، في بلاغ وجهته للنائب العام اليمني، إنها “تلقت عدداً من البلاغات عن اختفاء نساء في أمانة العاصمة ومحافظة صنعاء، وقامت المنظمة فور تلقيها تلك البلاغات بالتحري عن المعلومات والتواصل مع الجهات الأمنية ذات العلاقة، وإرشاد أقارب النساء المخفيات للإبلاغ لدى أجهزة الشرطة، والتحرك معهم لقيد البلاغات والبحث عنهن في عدد من الجهات الأمنية لقيد البلاغات”. وأنه “خلال عملية التواصل مع الجهات الأمنية، تحصلت المنظمة على معلومات تفيد بأن عدداً من النساء المخفيات محتجزات في البحث الجنائي بأمانة العاصمة، وقامت المنظمة حينها بالتواصل مع إدارة البحث الجنائي، وطرح المعلومات أمامهم مراراً وتكراراً، إلا أنهم كانوا ينكرون وجودهن.. وأعطوا المنظمة وعوداً بالبحث عنهن، والتعميم إلى فروع البحث والمستشفيات في العاصمة والمحافظات”. وأشارت المنظمة إلى أنه “تم إبلاغها بعد أشهر من اختفاء نساء، بعودة البعض منهن، وتم التواصل مع بعض أقارب المخفيات اللواتي رجعن إلى منازلهن، والذين أكدوا عودتهن، لكنهم رفضوا الإفصاح عن بقية المعلومات، وبعد تطمينهم، والعمل على الأخذ بحق قريباتهم، اتضح أنهن احتجزن في الإدارة العامة للبحث الجنائي، وأنه تم الإفراج عنهن مقابل مبالغ مالية كبيرة، واضطرت المحتجزات لدفعها بعد مرور أشهر عدة على خطفهن واحتجازهن وتعرضهن للتعذيب وعجز أقاربهن عن الوصول إليهن، مما أجبرهن على الرضوخ للابتزاز مقابل الإفراج عنهن، وحفاظاً على سمعتهن”. ونقلت المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر، شهادات من عدد ممن أفرج عنهن، إحداهن قالت إنه “تم مداهمة منزلها ونهب مجوهراتها وممتلكاتها وإخفاؤها لأكثر من شهرين، وأنه تم التحقيق معها وإجبارها على البصمة على عدد من الأوراق، وأنها اضطرت للتنازل عن كافة أغراضها من مجوهرات ومال مقابل الإفراج عنها، وأكدت أنها احتجزت في فيلا بشارع تعز، وأن داخل المعتقل عشرات النساء والفتيات لا يعرف أهلهن عنهن شيئاً”. وأضاف رئيس المنظمة أن “الاعتقالات بدأت بعد تعيين قيادي حوثي يدعى سلطان زابن في منصب رئيس قسم التحقيقات الجنائية في صنعاء، قبل عام”. مشيراً إلى أن “زابن أطلق على الفور حملة ضد “البغاء والتهريب”، وتم إرسال النساء اللواتي تم اعتقالهن في حملة القمع، ومن ثم الإفراج عنهن إلى معتقلات سرية في “فلل” بصنعاء، بدلاً من إطلاق سراحهن”، حد قوله.
استنكار من عقر الدار
شخصيات حقوقية وإعلامية موالية لجماعة الحوثي استنكرت الجريمة البشعة التي تداولت وقائعها وسائل إعلام يمنية وعربية. المحامي المقرب من الحوثيين حسين العماد، في تعليق له على الانتهاكات التي يتعرض لها سجناء البحث الجنائي، قال عقب لقاء زعيم الحوثيين عدداً من الإعلاميين الموالين له، مخاطباً الحوثي: “تمنيت لو يلتقي أيضاً بكوكبة البحث الجنائي بقيادة أبو صقر، الذين يبيعون ويشترون في السجناء، ويطلبون ٥ ملايين ريال مقابل إطلاق السجين الواحد، ويلتقي بكوكبة أقسام الشرطة الذين يمارسون أبشع أنواع الفساد والتعذيب والابتزاز في حق المواطنين”. من جانبه، يؤكد الصحفي المقرب من جماعة الحوثي محمد الديلمي، في منشور له على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ما جاء في فحوى بلاغ المنطمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر. ونشر الصحفي الديلمي مناشدة أطلقها ناشط مقرب من الحوثيين يدعى عصام ناصر العواوي، نقلاً عن الناشط نبيل فاضل، أرسلها إلى المفتش العام بوزارة الداخلية في صنعاء، قائلاً: “سبق أن أبلغ اللواء رزق الجوفي وكيل وزارة الداخلية، بأن المدعو سلطان زابن قام باحتجاز عشرات النساء بصورة غير قانونية وعبثية، وأكد له أن سلطان زابن وزبانيته يعبثون بأعراض الناس. كان ذلك قبل شهرين”. وأشار إلى أنه سرب الخبر للإعلام “عسى أن تتحرك ضمائر قادة البلاد”. وتابع: “اسألوه متى أبلغته أن المدعو سلطان زابن اشترى ببعض ما جناه من أجساد الضحايا بيتاً بمنطقة عصر جوار أراضي قاعة المؤتمرات، بمائة وخمسين مليون ريال”. ومما جاء في الرسالة: “وأنت معالي المفتش العام بإمكانك أن توضح لهم متى عرفت أن سلطان زابن استأجر فلة في شارع تعز، وحولها إلى سجن خاص بداخلها عشرات المحتجزات.. قد يكون غرر بالوكيل لقطاع الأمن الجنائي، لكنها سابقو لم يسبق حدوثها حتى في العصر الحجري. لدينا قانون يحرم استئجار فلل وتحويلها إلى سجون خاصة، وكأننا في إقطاعيات”. وأضاف: “لست وحدي من يعلم، اسألوا النيابة المناوبة عندما أحال لها 8 ضحايا قبل 7 أشهر، وحنبت النيابة فيهن وأودعتهن السجن المركزي بعد 4 أيام، ثم أحال لهم سلطان زابن مرة أخرى دفعة من 10 نساء، ورفضت قبولهن النيابة لأنها لم تجد تهمة أو دليلاً يجيز القبض عليهن، فقام باستئجار فلة، وحولها إلى سجن خاص يسجن ويطلق ويتصرف بهن كما يشاء..”. وتابع القول: “اسألوا وكيل نيابة البحث كم عدد الضحايا اللواتي استلم ملفاتهن؟ ولماذا أرجع الملفات ووجه بإعادتهن إلى محافظة صنعاء؟ واسألوه ماذا حدث بشأنهن من خلاف بينه وبين سلطان زابن، واسألوا ضباط وأفراد البحث ماذا يقولون؟ ماذا يهمسون؟ أحدهم قال لي “جيفة البحث الجنائي فاحت ملان العاصمة”. اسألوا طفلاً أو جاهلاً هل تتوفر جريمة الدعارة في حال القبض على نساء بدون رجال؟ وكيف توفرت لديه والمقبوض عليهن نساء فقط”.
نفي وإثبات
من جهته، نشر سلطان زابن، القيادي الحوثي، والمسؤل في الإدارة العامة للبحث الجنائي التابع للحوثيين، بيان رد على الاتهامات التي وجهت إليه. وذكر البيان أن حملة الشائعات والتشويه التي أطلقتها بعض المواقع المشبوهة، تزامناً مع حملة إعلام العدوان (في إشارة إلى التحالف العربي) للتشويه بالأجهزة الأمنية بشكل عام، وبالبحث الجنائي بشكل خاص، مصدرها أشخاص ومنظمات تضررت بشكل مباشر من تلك الإنجازات الأمنية، التي أفقدتها مصالحها، وخاصة بعض من كان لهم ارتباط بخلايا الدعارة المنظمة وترويج المخدرات. وأضاف البيان: “إننا في البحث الجنائي نؤكد أن كل تلك الشائعات وحملات التشويه لا يمكن أن تقف عائقاً أمام عملنا الدؤوب ومسؤوليتنا الدينية والأخلاقية والوطنية في القضاء على كل أشكال الفساد والجريمة المنظمة وشبكات الدعارة والفساد الأخلاقي”. وعقب البيان ردت المنظمة المحلية التي كشفت جريمة اختطاف النساء، ببيان تحذيري، قالت فيه: “تحذر المنظمة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر سلطات الأمر الواقع في صنعاء، من محاولة تبرير جرائم عمليات اختطاف وإخفاء عشرات النساء اليمنيات، وممارسة أبشع أنواع التعذيب والانتهاك عليهن، وبشكل غير مسبوق في التاريخ اليمني”. وعبرت المنظمة عن أسفها من استمرار القيادات المعينة من قبل جماعة الحوثي في رأس إدارة البحث الجنائي، حرة طليقة، وعلى رأسهم المدعو “سلطان زابن”، رغم تورطه وآخرين بجرائم انتهاك أعراض اليمنيات وابتزازهن، ونهب مجوهراتهن وأموالهن، وإخفائهن أشهراً طويلة بتهم كيدية، غرضها الكسب غير المشروع. وقال البيان إن هذه التصرفات المدانة قانونياً ودينياً وعرفياً وقبلياً وأخلاقياً وإنسانياً، ستظل وصمة عار على سلطة الأمر الواقع، ما لم تسارع إلى اتخاذ إجراءات جادة لإيقاف هذه الجريمة المركبة، واتخاذ إجراءات راداعة. وأضاف أن “محاولة القيادات المتورطة بهذه الجرائم بالإدارة العامة للبحث الجنائي في صنعاء، تبرير جرائمها، فإنها تدين نفسها بنفسها، وتحاول الإساءة للضحايا بتهم لا أساس لها من الصحة، ولا تملك أي دليل عليها، فضلاً عن أن هذا البيان هو إساءة لنساء اليمن المعروفات بالعفة والحشمة”. وأكدت المنظمة في بيانها أنها “ستقوم بتحريك دعاوى قضائية أمام كل المتورطين بهذه الجرائم والانتهاكات أمام القضاء اليمني والدولي، ولن تسكت على هذه القضية”.
غضب محلي ودولي
وبعد ساعات من الكشف عن الجريمة استشاط مئات المسؤولين والمثقفين والناشطين اليمنيين غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي. يقول محمد عزان، القيادي السابق في الحركة الحوثية، في وصفه للجريمة: “هكذا تفوح رائحة المسيرة القذرة رغم التستر والتكتم والقمع.. واذلاه! وواعاراه! أن يعبث بكرامة الناس وحرماتهم في عقر ديارهم حفنة من الأوغاد، دون حسيب ولا رقيب! وكل ذلك باسم الدين والجهاد في سبل الله!”. أما النائب في البرلمان اليمني أحمد سيف حاشد، فقد وجه جام غضبه حول أداء “البحث الجنائي” الواقع تحت سيطرة الحوثيين، قائلاً: “هذا البحث الذي لطالما كتبنا عنه مراراً.. ها هي فضائحه، من يسائله ومن يعاقبه؟!”. وعن ذات الجريمة، يقول الناشط عبدربه وازع: “نعلم جيداً أنهم سفهاء أخلاق (في إشارة منه إلى جماعة الحوثي)، لكن ما تم الكشف عنه يجعل كل اليمنيين مذنبين ومشاركين لترك هؤلاء لهذه اللحظة مسيطرين على عاصمة اليمن”. ويستدرك وزارع حديثه متسائلاً: “أين كانوا مخبئين كل هذا الخبث والسفاهة والسفور؟! كيف استطاعوا إيهامنا أنهم يحملون ذرة من الأخلاق والإنسانية والدين؟!”. وتبدي الناشطة رنا إبراهيم، في تدوينة لها استغرابها من “مشائخ قبائل اليمن من الصمت على جريمة اختطاف عشرات النساء في سجون سرية بصنعاء”. ويرى الباحث السياسي سليم الجلال، أن “اختطاف النساء في صنعاء وابتزازهن وانتهاك أعراضهن، ناهيك عن تعذيبهن، إلى آخر ما يقال بشأن ذلك، لا يدل على أنها واقعة عرضية وحالة شاذة ومرفوضة، بل هي من جملة مرتكزات حوثية نهجاً وممارسة، إذ إنها حلقة متسلسلة في سياسات المحو والاستئصال للمجتمع الرافض للحوثية جملة وتفصيلاً، حيث ضرب كل القيم العربية اليمنية، نفسياً ومادياً، وعلى اعتبار هذا التجريف النفسي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي هو في العمق لإقامة بنى وبنيان الحوثية كجماعة وتنظيم عابر لكل ذلك”. بدورها، استنكرت منظمات محلية ودولية الجريمة البشعة بحق النساء اليمنيات، منها منظمة “رايتس رادار” لحقوق الإنسان في العالم العربي، التي عبرت عن قلقها البالغ إزاء ورود معلومات تشير إلى تعرض 120 امرأة يمنية للاختطاف والتعذيب والإخفاء القسري في سجون خاصة تابعة لجماعة الحوثي في العاصمة صنعاء. واستنكرت المنظمة التي تتخذ من هولندا مقراً لها، في تغريدة على حسابها الرسمي في “تويتر”، اختطاف الحوثيين للنساء وتعرضهن للابتزاز والتعذيب في العاصمة صنعاء.
لا للتخاذل أو التساهل
وفي حديثه لـ”المدونة اليمنية”، يرى الناشط أحمد المطوع أنه “لولا صراع الأجنحة داخل الحركة الحوثية لم تكن مثل هكذا جرائم خطيرة قد كشفت للرأي العام، وما فضح بعضهم”. وعن كيفية الانتصار لحقوق النساء المختطفات في صنعاء، يشير الباحث المتخصص في القضايا القانونية حسين الصوفي، إلى ضعف وعجز أصحاب الحق والحكومة الشرعية التي من المفترض أن يكون لها دور بارز في الضغط الحوثيين في هذه القضية”. ويقول الصوفي في حديثه لـ”المدونة اليمنية”: “هناك تغطية وتستر على جرائم وممارسات الميليشيات الحوثية من قبل أطراف دولية ومؤسسات مجتمع مدني، الخذلان والعجز وتوفير الغطاء الدولي أسهم في كل هذه الجرائم الوحشية”. ويضيف الصوفي: “أعتقد أنه يجب رفع صوت الضحايا خاصة أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تحرك ساكناً، ولم تتحمل الحكومة اليمنية الشرعية مسؤوليتها في مخاطبته! وهذا ما يمكننا تسميته عجزاً فاضحاً، لأن المفاوض السياسي يعيش تيهاً وخذلاناً لم يسبق له مثيل. ستضيع قضايانا بهكذا عمل ضعيف لامسؤول”. ويقول الكاتب الصحافي ثابت الأحمدي: “اختطاف النساء من الجرائم المخلة بالشرف والأعراف الإيجابية، ومن الجرائم الفاضحة التي يعاقب عليها القانون ضعف ما يعاقب على اختطاف الذكور! وهو لدى القبائل من قبيل العيب الأسود! ولم أسمع أو أقرأ خلال تاريخ اليمن القديم والوسيط والحديث والمعاصر، أن قام شخص أو جماعة ما باختطاف امرأة بهذه الهمجية التي يمارسها “عيال رسول الله” اليوم!”. وأقدمت جماعة الحوثي على اختطاف عدد من النسوة، خلال ثورة الجياع التي اندلعت في العاصمة صنعاء، العام المنصرم، وفي أواخر العام الفائت أقدمت الجماعة الحوثية، بواسطة قوة أمنية تابعة لها تدعي “الزينبيات”، على اعتقال معلمة في صنعاء بسبب رفضها ترديد ما تسمى “الصرخة الحوثية”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق