أرشيفتقاريرسلايدر

أبناء “الحديدة” بين نيران الحوثي وقساوة النزوح!

المدونة اليمنية -خاص

“والله ما خرجنا من بيوتنا إلا بسبب ملاحقة الحوثيين لنا، يشتونا نقاتل معاهم، أو يخلوا امبيوت حقنا متارس، ماعد قالوا إن في ذي امبيوت نسوان ولا عيال”؛ بلهجته التهامية، هكذا يصف علي جيلان، أحد أبناء مدينة الحديدة، السبب الذي دفعه هو وعائلته للنزوح من المنزل الذي يقطنه بحارة “غليل” منطقة “الحوك” بمدينة الحديدة (غربي اليمن).
وأضاف القول: “أول ما نزحنا لصنعاء، قالوا لنا الحويثة أيش جابكم، ارجعوا جاهدوا، أنتم تجيبوا فرصة لأصحاب طارق عفاش علشان يحتلوا الحديدة. ضايقونا، ما عد خلونا نجلس مستقرين، وما قدرناش نعيش في صنعاء، فسافرنا لتعز، وظروفنا الآن صعبة”.
جيلان واحد من آلاف من سكان محافظة الحديدة الذين أجبرتهم جماعة الحوثي على ترك منازلهم، في منتصف أغسطس/ آب من العام الماضي، ليتكبدوا مرارة النزوح من مدينة يمنية إلى أخرى.
وفي “غليل”؛ ذات الحي المأهول الذي كان جيلان يقطن فيه هو وعائلته، خرج عشرات المواطنين في يونيو/ حزيران من العام الماضي، في مظاهرة احتجاجية رافضة لتواجد مدفع نصبه مسلحون حوثيون داخل مصنع بلك في أحد الأحياء السكنية، كان الحوثيون من خلاله يقومون بإطلاق القذائف باتجاه مطار الحديدة، الأمر الذي تسبب بحالة من الرعب وسط الأهالي، فخرجوا للشارع للمطالبة بإبعاده عن الحي.
لكن الحوثيين رفضوا مطالب السكان، مهددين بإطلاق النار على كل من يحاول الاقتراب من المكان، بحسب شكيب الرباص، أحد ساكني الحي، والذي نزح هو وعائلته إلى محافظة لحج (جنوبي اليمن).
يقول شكيب: “كنا نطالب الحوثيين بإبعاد المدفع عن حينا المكتظ بالسكان، لكن لا أحد كان يستمع إلينا، وذات مرة سقط أحد المنازل القديمة القريبة من مكان المدفع، بسبب اهتزاز المدفع عند الإطلاق، وعندما شاهدنا الحادثة بأم أعيننا، قررت أنا وعائلتي ترك منزلنا، والنزوح إلى مكان بعيد عن المحافظة. ونحن اليوم نعاني مرارة النزوح بكل تفاصيلها”.
ومثلما لم يسلم سكان المدن من مضايقة الحوثيين لهم، كان الحال مع المزارعين والصيادين، ففي إحدى قرى الجهة الشرقية من مدينة “التحيتا” جنوب الحديدة، شكا مواطنون من إجبار مسلحي الحوثي لهم على النزوح تحت التهديد بالقوة.
وقالت أسر وعائلات نزحت إلى مدينة “التحيتا”، إن المسلحين الحوثيين اقتحموا منازلهم في منطقة “المجعر” في الريف الشرقي للتحيتا، وأخرجوهم بالقوة، وهددوا بإحراق المنازل بمن فيها.
وأفادوا أن الحوثيين دفعوهم بالقوة، واستخدموا العنف، وأجبروهم على الرحيل والنزوح القسري من منازلهم ومزارعهم في “المجعر” بتهامة، واستولوا عليها وتمركزوا فيها.
في منتصف يوليو/ تموز من العام الماضي، أجبرت جماعة الحوثي سكان قريتي “سيف” و”المشاقنة” وقرى جنوب شرق مطار الحديدة، علة إخلاء قراهم، ضمن عملية التهجير القسري التي مارسوها في كثير من المناطق التهامية، بحجة أنها تقع في مناطق عسكرية.
وفي الـ22 من يناير/ كانون الأول من العام الجاري، أَجبرت جماعة الحوثي، 300 أسرة على النزوح من قرى “اليومين” و”محل الشيخ” شرق مديرية المراوعة في محافظة الحديدة. ووفقاً لإفادات من أسر نزحت نحو منطقة القطيع شرق المديرية، أجبرت الجماعة الحوثية السكان على النزوح، وترك منازلهم.
يقول السكان إن مسلحي الحوثي أمطروا قراهم بعشرات القذائف، واستحدثوا حفريات وخنادق، ونشروا مدافع هاوزر، بعضها داخل التجمعات السكنية.
واستمراراً لجرائم جماعة الحوثي ضد المدنيين في الحديدة، فقد أجبر الحوثيون نازحين من “الدريهمي” و”التحيتا” على الفرار نحو المناطق الأكثر أمناً في “الخوخة” و”المخا”، بعد أن تعرضوا لتصرفات همجية وتعاملات قاسية أجبروا من خلالها على العمل خدمة لقادة حوثيين. وأكدت مصادر موثوقة أن النساء تعرضن للمضايقة والإجبار على إعداد الطعام لهم بقوة السلاح وتهديد أزواجهن بالقتل حال رفضن ذلك.

استهداف للبنى التحتية

ولم يسلم سكان مديريات وقرى محافظة الحديدة، من استهداف جماعة الحوثي لبنيتهم التحتية. وبحسب اتهامات لمواطنين من تهامة، فقد حول الحوثيون أراضيهم الزراعية إلى حقول ألغام، مشيرين إلى أن مواطنين لقوا حتفهم، بسبب العبوات والألغام المزروعة في أراضيهم. إضافة إلى توسع الحوثيين في عمليات حفر الخنادق على طول الطريق السريع بين زبيد والجراحي، واستحداث مواقع عسكرية جديدة.
وبحسب تأكيد مصادر محلية لـ”المدونة اليمنية”، فإن “جماعة الحوثي استخدمت منازل بعض المواطنين في الحديدة كمخازن للسلاح والذخيرة لتموين مقاتليها، بعد أن نهبت تلك المنازل”.
وتقول المصادر إن “جماعة الحوثي قامت بحفر أنفاق متصلة ببعضها تحت منازل المواطنين في حي 7 يوليو (وسط الحديدة)، وصولاً للحديقة العامة، متصلة ببعض عبر أنفاق ودهاليز حفروها، وعاثوا فيها الخراب”.
وكغيرها من المناطق اليمنية، ارتكبت جماعة الحوثي عمليات تفجير ممنهج استهدفت المدارس والمساجد في محافظة الحديدة، ففي منطقة “المجعر” بالتحيتا فجرت الجماعة الحوثية مدارس “عمار بن ياسر، وعلي بن أبي طالب، والنور”.
وفي منطقة الجاح التابعة لمديرية بيت الفقيه، أقدم الحوثيون على تفجير مدرسة “22 مايو”، كما قاموا بقصف مستشفى “22 مايو”، وفجروا أجزاء منه، وهو المستشفى الأهلي الوحيد، الذي كان يعمل في مدينة الحديدة، ويقدم خدماته للمواطنين.

إحصائيات مفزعة

تلك الأحداث التي بدأت منذ اندلاع المعارك في يونيو/ حزيران من العام الماضي، وغيرها من الأسباب، أجبرت أكثر من مليون شخص على النزوح من محافظة الحديدة، بحسب تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في اليمن، حيث بلغ عدد العائلات النازحة من الحديدة في جميع أنحاء البلاد، 174 ألفاً و717 أسرة، تمثل أكثر من مليون و48 ألفاً و300 فرد، خلال الفترة بين يونيو/ حزيران 2018 و15 يناير/ كانون الثاني 2019.
وأفاد التقرير أنه تم تسجيل 109 آلاف و867 عائلة، أي أكثر من 659 ألفاً و300 فرد، في 4 محافظات، هي: “حجة، المحويت، ريمة والحديدة نفسها”، من غير النازحين في بقية المحافظات اليمنية.
وفي العاصمة صنعاء، يعاني أكثر من 10 آلاف نازح ونازحة من ظروف معيشية بالغة التعقيد، حيث لا مأوى ولا سكن مناسب، في ظل عدم جهوزية مراكز إيواء النازحين، غير المؤهلة للنوم، والتي هي في الأساس مبانٍ لمدارس تفتقر لأبسط المقومات المعيشية، كدورة مياه صالحة للاستخدام الآدمي، ومطابخ نظيفة لتجهيز الطعام، وفرش وبطانيات تقيهم برودة الطقس، كما يرى أحد النازحين المقيمين في أحد مراكز الإيواء، والذي فضل عدم ذكر اسمه، خلال حديثه لـ”المدونة اليمنية”.
ويقول النازح: “الحوثيون يمنعوننا من الخروج من مراكز الإيواء، ويمنعوننا من الإدلاء بأي حديث لوسائل الإعلام، ومن خالف تعليماتهم يهددونه بالطرد. أصبحت مراكز الإيواء أشبه بسجن كبير”.
وتكتظ مراكز إيواء النازحين بأعداد كبيرة من الناس، ما أدى إلى تفاقم الحالات المرضية، وفق وصف النازحين في تلك المراكز.
وتشير منظمة الصحة العالمية، إلى أن “الآلاف من نازحي محافظة الحديدة في صنعاء، يتعرضون لمخاطر جسيمة، حيث شكلت صنعاء الملاذ الأكبر للسكان الذين فروا من منازلهم الواقعة في قلب الصراع، بسبب انعدام الأمن وزيادة نسبة الفقر وسوء التغذية وتفشي الأمراض”.
ووفقاً للمنظمة، “يتعرض النازحون لمخاطر جسيمة، بمن فيهم المسنون والحوامل وأشخاص مثقلون بأعباء أمراض مزمنة، ويحملون على عاتقهم مسؤولية توفير الرعاية لأطفالهم”.
ظروف مراكز الإيواء القاسية دفعت إبراهيم الولي، وهو أحد المواطنين الذين نزحوا من منطقة “الجراحي” بالحديدة إلى العاصمة صنعاء، للبحث عن منزل للإيجار يؤويه هو وعائلته، لكن إبراهيم (48 عاماً) انصدم بالواقع، فالإيجارات مرتفعة، ولا تتناسب مع مدخراته المالية، خاصة بعد أن فقد مصدر دخله بعد تدمير المصنع الذي كان يعمل فيه.
يقول إبراهيم، متحدثاً لـ”المدونة اليمنية”: “في صنعاء لا رحمة ولا شفقة، تقول لهم أنا نازح، فيطالبونك بدفع إيجار 50 ألف ريال، لشقة مكونة من غرفتين فقط، موقعها في أطراف صنعاء، واضطررنا لقبول ذلك، واستئجار الشقة لأننا مجبرون ومكرهون، وإلا فسأنام أنا وزوجتي وأمي وأولادي الثلاثة في الشارع. تعبنا من الاستغلال”.
ويشكو إبراهم من عدم اهتمام المنظمات المعنية بتقديم المساعدات الإغاثية للنازحين، قائلاً: “كل يوم يأتي إلينا ممثلون عن منظمات، ويأخذون بياناتنا وأرقام هواتفنا، ولكن لم نرَ منهم شيئاً، ومنذ أن نزحنا إلى اليوم لم نحصل إلا على كيس قمح واحد فقط”.

تاريخ من التهجير

ودأبت الجماعة الحوثية على استخدام التهجير القسري كوسيلة من وسائل حربها على اليمنيين، خلال الـ12 عاماً الماضية، ففي أواخر يناير/ كانون الثاني من العام الفائت، أجبرت جماعة الحوثي أكثر من 400 أسرة من أهالي قرية “السميدد” في منطقة العدنة التابعة لمديرية صالة في محافظة تعز، على ترك منازلهم ومغادرتها عقب اقتحام القرية.
وفي الـ7 من أغسطس/ آب من العام الماضي، أجبرت جماعة الحوثي 100 أسرة من سكان قرية “السادة” في مديرية حيران محافظة حجة، على النزوح وترك منازلهم، بعد اقتحام القرية بالسلاح، والتمركز في منازل المواطنين.
وفي الـ30 من سبتمبر/ أيلول الفائت، هَجّر الحوثيون ما يقارب 45 أسرة من سكان قرية “الكدحة” التابعة لمديرية مقبنة غرب مدينة تعز، بقوة السلاح، ونهب ممتلكاتهم.
وفي الـ8 من يوليو من العام الفائت، دعا إمام المعهد السلفي في “معبر” بمنطقة جهران محافظة ذمار، إلى مغادرة 5 آلاف طالب سلفي، بطلب من جماعة الحوثي.
وفي الـ17 من مايو/ أيار 2017، أقدم مسلحو الحوثي على تهجير 100 أسرة من قرى “عرش، وعرام، وغيمان” بعزلة الربيعتين في مديرية “جبن” محافظة الضالع (جنوبي اليمن)، بعد أن نهبوا 80 منزلاً و13 سيارة مملوكة لمواطنين مغتربين في دول الخليج وغيرها.
وفي أواخر ديسمبر/ كانون الأول من العام 2016، قامت جماعة الحوثي، بتهجير سكان بلدة “الشريجة” الواقعة على الحدود الإدارية بين محافظتي تعز ولحج، تمهيداً لتفخيخ المنازل.
وفي 29 ديسمبر/ كانون الأول 2014، قام الحوثيون بتهجير أهالي قرية “شِراع” بمنطقة أرْحَب شمالي العاصمة صنعاء.
وفي يناير/ كانون الثاني 2014، بدأت جماعة الحوثي بتهجير السلفيين بمنطقة “دماج” في محافظة صعدة.
وفي العام 2007، أجبرت جماعة الحوثي يهود منطقة “آل سالم” بمحافظة صعدة، على الرحيل من المنطقة، عقبها بسنوات عملية منظمة بتهجير 199 من الطائفة اليهودية، من مدينة “ريدة” بمحافظة عمران شمال صنعاء.
وقامت جماعة الحوثي بتسهيل عملية تهجير 11 يهودياً يمنياً، في 21 مارس/ آذار 2015، ضمن ترتيباتٍ سريةٍ بين جماعة الحوثي والوكالة اليهودية ودولة وسيطة أخرى لم يكشف عنها، بحسب مصادر إعلامية، منها الصحف الإسرائيلية التي رصدت وصول هؤلاء، واصفة عملية الترحيل بأنها “كانت نتاج تنسيق استخباراتي على مستوى عالٍ مع سلطات صنعاء التي سهّلت عملية ترحيل اليهود”.
ويرى باحثون قانونيون أن جماعة الحوثي باستخدامها أسلوب التهجير القسري، ترتكب جريمة حرب قذرة بحق أبناء الحديدة واليمنيين، ويجب محاسبتها بموجب القانون الدولي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق