أرشيفمقالات وتحليلات

ما هكذا تُورَدُ “الشرعية”.!

المدونة اليمنية - د/صادق القاضي

ما هكذا تُورَدُ “الشرعية”.!
إلى الصديق “عبدالملك العجري” عضو المجلس السياسي لـ”أنصار الله”.
المدونة اليمنية – د. صادق القاضي
مؤخراً، وبعد عودته من السويد. شنّ الصديق “عبدالملك العجري” عضو المجلس السياسي لـ”أنصار الله”، هجوماً شرساً على “شرعية الرئيس هادي”. مشككا بالأسس التي قامت عليها. متسائلاً: “ماهي الشرعية التي بقيت لهادي وحكومته بعد أن فقدوا كل مقومات وعناصر الشرعية القانونية والأدائية والاعتراف”؟!.
السؤال: ما هي “مقومات وعناصر الشرعية القانونية والأدائية والاعتراف”.. المتوفرة للحوثي وحكومته في صنعاء. مقارنة بهادي وحكومته في الرياض؟!.
لا شيء.!. وللتنويه فتغريدات العجري هي أنضج ما تفتقت عنه مخيلة الخطاب الحوثي، مقارنة بالكم الهائل من الخطابات الشعبوية والتعبوية والتهكمية، والاختزالات الحوثية البائسة للشرعية القائمة في شخص الرئيس هادي وجهازه الإداري المنخور بالعيوب والنواقص.
ومع ذلك لا يخلو خطابه هو الآخر من الاختزال والبؤس.. فهو في الوقت الذي يفند فيه العوامل القانونية لشرعية هادي، واحداً واحداً .. يتجاهل أن سلطة الحوثيين تفتقر تماما لأيٍّ من هذه العوامل والمقومات.!
– أولاً: دستورياً: “الشرعية مصدرها الشعب”، والكيان الحوثي يفتقر إلى أي صفة دستورية أو توافقية، ولم يحز أو يحاول أن يحوز على إجماع شعبي من أيّ نوع.
– ثانياً: “الشرعية الادائية. والتي تعني القدرة على الإنجاز وممارسة السلطة فعليا”. الحوثي فقد سلطته على أكثر من 85 % من الجغرافيا اليمنية، وعاجز حتى عن دفع مرتبات الموظفين في مناطق سيطرته.
– ثالثاً: “التمتع بالاحترام واعتراف المواطنين بحق الطاعة وتقبُّل المحكومين”.. من الواضح إن الحوثي لا يتمتع بهذه الصفة حتى في مناطق سيطرته، حيث الخضوع والامتثال لا يعنيان الاحترام والتقبل، وحيث الخوف من البطش يمنع اليمنيين هناك من “البول في وجهه”. حسب تعبير العهد القديم.
هكذا- وبغض النظر عن شرعية الرئيس هادي- يفتقر الحوثيون إلى كل أسس الشرعية الداخلية، ماذكرها العجري وغيرها.. ما يجعلهم عراةً تماماً حتى من الشبهات التي يمكن تأويلها لصالحهم في هذا المقام.
لكن هذا ليس كل ما في الأمر. للأكمة ما وراءها، وترتبط القضية هنا بسؤالين مهمين:
– لماذا يخوض الحوثيون حالياً النزاع حول الشرعية، بلا هوادة.. وبلا مؤهلات؟!.
– وهل تقويض شرعية هادي، يعني إضفاء الشرعية على كيانهم.؟!
• الحوثيون وأزمة “شرعية الوجود”.
طوال تاريخهم القصير الدامي، كان كل ما يهم “أنصار الله”(الشباب المؤمن سابقاً)، كحركة فئوية سياسية دينية مسلحة.. هو فرض وجودهم غير الشرعي بالقوة على الواقع اليمني.. وصولاً إلى قلب الطاولة على جميع القوى السياسية “الشرعية” في السلطة والمعارضة.
بعبارة أخرى: كان كيانهم ووجودهم يفتقران للشرعية منذ البدء. لكنهم لم يكونوا يعبأون بالحصول على شرعيتهم كمكون سياسي معارض.. فلماذا الآن يعبأون بالحصول على الشرعية كنظام سياسي حاكم؟!.
من البديهي أن تجربة السنوات العصيبة الماضية أثبتت للحوثيين، بشكل عملي حاسم، أن البندقية وحدها لا يمكنها صرف شيك في البنك المركزي، ولا إصدار جواز سفر إلى الصومال..
لقد وضعتهم التجربة الصارمة على محك الحاجة المصيرية إلى صفة الشرعية، واعتراف الآخرين بهذه الصفة التي بدونها سيظلون عزّل في إدارة أمور الداخل، ومعزولين عن الخارج.
هذا ما أسماه المفكر الماركسي”هابرماس”، “أزمة شرعية”. والحوثيون منذ اجتياحهم لصنعاء وحتى الآن، يواجهون هذه الأزمة التي لا يمكن القفز أو الالتفاف عليها بأساليب وصيغ زائفة.
وكما أن النجاح لا يتأتى فقط من خلال فشل الآخرين. يخطئ الحوثيون بالتعويل على عوامل غير موضوعية في شرعنة وجودهم. وبالذات المراهنة في حيازتها على إشكاليات حكومة الرئيس هادي.
من نافلة القول إن ضعف أو اهتزاز أو حتى زوال شرعية هادي لا يصب بالضرورة في صالح الحوثيين، بل في صالح كل الكيانات غير الشرعية، للعصابات والجماعات الدينية والقبلية والشللية والمناطقية.. المسلحة.
الحوثيون ليسو هم ورثة الشرعية القائمة، وتلك العيوب والنواقص التي نعرفها جميعاً في حكومة الرياض، لا تنزع رداء الشرعية عن كتفي الرئيس هادي وتلفه عفوياً عمامةً حول رأس السيد الحوثي.
الفوضى والتوحش هما نظرياً وعملياً البديل المنطقي للدولة، في غياب شرعية القانون والدستور والإجماع الشعبي، وفي هذا المقام لا يختلف الحوثيون عن أي جماعة مسلحة أخرى تمددت على حساب الدولة، بالقوة والسلاح.
أياً كان الأمر. من حق الحوثيين، وكان ومازال بإمكانهم، الحصول على شرعيتهم من خلال وفي إطار الشرعية القائمة، عبر “التسوية السياسية الشاملة”.
لكنهم. بدلاً من عبور الطرق الأقرب والأسلم.. كانوا على الدوام يحاولون الالتفاف على حقهم وحقوق الآخرين بطرق عنيفة، أو ملتوية بلا جدوى، وفوتوا خلال ذلك الكثير من الفرص التي كان بوسعها شرعنة كيانهم ووجودهم في الخارطة السياسية اليمنية:
– قُبيل اجتياحهم صنعاء كان بإمكان الحوثيين، التوقف في حدود الضاحية الشمالية. ومع أن ذلك لم يكن ليمنحهم الشرعية، لكنه كان سيضمن لهم المشاركة بفاعلية في صناعة المشهد السياسي اليمني أسوة بحزب الله اللبناني.
– بُعيد اجتياحهم صنعاء، كان بوسعهم الاكتفاء بـ”اتفاقية السلم والشراكة”، وهي مكسب سياسي كبير، يضمن لهم مقابل بعض الخطوات الإيجابية شرعية سياسية مكينة في ظل الشرعية القائمة.
– حتى الآن، ورغم كل الدعوات والنصائح المحبة أو القلقة، يرفض الحوثيون – مقارنةً حتى بحزب الرشاد السلفي- تكوين حزب سياسي مدني بمعناه وحضوره الوطني الشامل الذي يتجاوز الفئوية، إلى الفضاء اليمني الجامع.!.
– حتى اللحظة .. يرفض الحوثيون التسوية السياسية الشاملة، رغم كونها أقصر الطرق لحصولهم على الشرعية.
إن معضلة الحوثيين، منذ البدء وحتى الآن، أنهم يجهلون، وبالأصح يتجاهلون أننا نعيش في مطلع الألفية الثالثة، حيث لا شرعية للأمر الواقع، ولا يمكن الحصول على الشرعية بطرق غير شرعية.
في كل حال: قضية الشرعية في اليمن تتعلق قبل وبعد هادي بقيم ومؤسسات وكيانات مجردة متفق عليها في ظل ميثاق اجتماعي راسخ.. وهي شرعية النظام الجمهوري والديمقراطية ومخرجات الحوار والدستور والقانون .. ولا يمكن في أسوأ الأحوال مقارنة هذه المرجعيات الشعبية العصرية الحرة بمرجعية السطو المسلح، وفرض الأمر الواقع، وولاية الفقيه.
• للشرعية:
اليمن دولة من دول العالم الثالث، ولا تستند الشرعية فيها على أسس قانونية بالضرورة، ويمكن لأي طرف انقلابي أن يحصل على الشرعية في ظل الأمر الواقع.
عدم حصول الحوثي حتى الآن على شرعية داخلية وخارجية يرتبط بعوامل تتعلق به لا بحكومة هادي، ويمكن لأيّ تغيير في الداخل أو الخارج أن يقلب المشهد اليمني رأسا على عقب.
مثلاً. اعتراف السعودية فقط. بالحوثي، وتخليها عن الشرعية، فيما لو حدث، سيغير الواقع إلى النقيض، ويضفي على الحوثي شرعية دولية، ويمكنه على الأقل من استعادة بعض المحافظات التي خسرها.
حدث أمر مماثل عندما اعترفت السعودية بالنظام الجمهوري في صنعاء، وتخلت عن الملكيين عام 1970م. وبدأ تاريخ جديد للوضع في اليمن.
‏هل وضعت قوى الشرعية اليمنية القائمة، في بالها احتمال أن يتخلى الخارج عنها، وبالتالي البدء بالاعتماد على قواها الذاتية وعوامل وجودها في الداخل.. أسوةً بقوى ثورة سبتمبر عند انسحاب مصر من اليمن بعد 67.؟!
هل خططت الشرعية القائمة واستعدت لمثل هذا اليوم!؟ أم سيتفاجأ الرئيس هادي بتوقف الدعم الخليجي كما تفاجأ ببداية عاصفة الحزم.. وسيجد كالعادة مكانا يلجأ إليه، وترك البلد خلفه للطوفان.؟!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق