أرشيفمقالات وتحليلات

أحَلُّوا الشظايا محلّ البلَدْ*

المدونة اليمنية - خاص

▪ إذا حاولت، كمراقب، أن تستشرف ما يمكن أن يحدث في اليمن، ستجد نفسك أمام احتمالات وخطوط عِدَّة تتراوح بين ما هو سيئ وما هو أكثر سوءاً، ثم تتفرع عنها غابة متشابكة من الاحتمالات الأقل وضوحاً.
المأزق يكمن في أن الاحتمالات كلها، تقريباً، متساوية في القوة، ولكل منها منطقه ومقوماته وقابليته للتحقق، بحيث تعجز تماماً عن فرزها وترجيح أحدها على الآخر.
يستطيع المراقب، مثلاً، أن يزعم بأن اليمن لم تكن أكثر وحدة مما هي عليه الآن، بالسهولة ذاتها التي يقول بها إن اليمن لم تكن أكثر انقساماً مما هي الآن. فاليمن، المجزأة سياسياً وعسكرياً، في الوقت الحالي، تبدو موحدة، من ناحية التواصل والاندماج الاجتماعيين، على المستوى الأفقي، أكثر مما كانت عليه الأمور أثناء التوقيع على اتفاق الوحدة عام 1990، الحدث التأسيسي الحاسم، والذي كان له الفضل في فتح معظم الحواجز والسدود العازلة بين اليمنيين.
وليس من العسير ملاحظة أن علامات وأسس ومعطيات الإمكانيتين التاريخيتين (الوحدة والانقسام) موجودة حالياً في وضع متكافئ على أرض الواقع. أي أن قوى الانقسام متعادلة مع قوى التوحد، وهو تعادل على صعيد الوفرة وطاقة الفعل. وهذا التعادل يعني أن قوى الانقسام تعيق قوى التوحد، وهذه بدورها تعيق قوى الانقسام.
غير أن الانهيار ليس عكس الوحدة. إذ يتمخض عن الانهيار نوع كريه من الوحدة يستمر في صورة ركام وأنقاض مترابطة ومنفصلة على نحو غير منتظِم. إن الانهيار يحتفظ بدرجة معينة من وحدة الحال والمصير الكلي للأجزاء التي كان يتألف منها برج بابل.
وقد أدركنا كل هذا بما يكفي من الوضوح قبل أن نقرأ الفقرة التالية المنتزعة من مقدمة تقرير أعده فريق خبراء تابع للأمم المتحدة، العام الماضي، والتي تعلن أنه “بعد ما يقارب 3 سنوات من النزاع، يكاد اليمن، كدولة، أن يكون قد ولّى عن الوجود. فبدلاً من دولة واحدة، هناك دويلات متحاربة، وليس لدى أي من هذه الكيانات من الدعم السياسي أو القوة العسكرية ما يمكنه من إعادة توحيد البلد أو تحقيق نصر في ميدان القتال”.
وبدلاً من رفاهية التحري والبحث عن أسباب فشل الثورة، هناك بلوى ومصيبة أعمق وأخطر وأشمل، هي ما يستوجب البحث والتفسير والقلق بشأنها: تحطيم مقومات وركائز الدولة الوطنية اليمنية التي كانت تشكل الإطار الجامع أو الفضاء والصرح الكبير الذي بدونه لا يعود منطقياً الحديث عن ثورة أو ثورة مضادة.
ولا يقال، في العادة، إن ثورةً ما قد فشلت، إلا إذا تمكن النظام الذي أرادت الثورة إسقاطه من إخماد الثورة والتغلب عليها والعودة إلى موقعه السابق أو إعادة إنتاج نفسه مع بعض التحديثات.
وهذا ما لا يصح أن يقال أبداً بخصوص الحالة اليمنية. فالفشل المروِّع كان من نصيب الثورة والثورة المضادة على حدٍّ سواء، إذا جاز لنا تطبيق هذا المنظور في تناول ما حدث منذ 2011. (لا يستسيغ كاتب المقال أية مقاربة للأزمة اليمنية من هذا المنظور الثوري، لأن قيمته التفسيرية تساوي صفراً).
▪ دينامية الأحداث لا تزال تصب في اتجاه التفكيك الذي لم يستقر بعد على شكل محدد. الرعاية والاعتراف الإقليمي حالياً مخصصان تحديداً للجماعات والتنظيمات المحلية التي لا يتناسب بناؤها وتكوينها الخاص وخطابها إلا مع يمن مجزأ غارق في الفوضى والخراب.
نشير هنا إلى التأثيرات الانقسامية الصادرة عن أنشطة الأطراف الإقليمية “المتنافسة”، والتي انخرطت في المسألة اليمنية بصورة مباشرة متهورة ووخيمة العاقبة، أو تلك الحاضرة في المشهد رمزياً عبر حليف محلي مخلص ومتفانٍ في تقليد بعض مظاهر نموذجها، بحيث تجني هي فوائد هذا التقليد لتعزيز مكانتها الدولية دون أن يكلفها الكثير.
كنا دولة اسمها الجمهورية اليمنية، وكنا نتحدث مثلاً عن تحسن “العلاقات اليمنية السعودية”، أو فتور وتأزم “العلاقات اليمنية السعودية”، وكنا نقول إن اليمن اتفق مع السعودية، أو إن اليمن اختلف واحترب مع السعودية… الخ.
الآن لم يعد هناك كيان يمني موحد السيادة، ولا قيادة يمنية واحدة، فعالة ومسيطرة بما يكفي لتمثيل مصالح اليمن أمام الخارج. لدينا شظايا بلد. وكل شظية تتحرك بمفردها، وتتعامل مع السعودية والخارج وفق حساباتها واحتياجاتها، فأصبح لدينا العلاقات السعودية الحوثية، والعلاقات السعودية الإخوانية، والعلاقات السعودية الحضرمية، والعلاقات السعودية المأربية، والعلاقات السعودية الحراكية الجنوبية، والعلاقات السعودية التعزية، والعلاقات السعودية التهامية، والعلاقات السعودية الضالعية، والعلاقات السعودية المطلعية، والعلاقات السعودية المنزلية… ثم على مستوى المناطق والجهات والنواحي والزعامات وأمراء الحرب والفصائل!
هذا الواقع هو، بلا شك، واقع كئيب ومحزن بالنسبة لأي يمني محترم.. لكن، هل هذا جيد بالنسبة للسعودية وتحالفها؟ هل من المريح والمثالي أن تصمم لكل شظية وكل نتفة سياسة خاصة؟ هل اليمن الممزق يمثل بيئة مثالية لأمن ومصالح دول الجوار؟
في ديسمبر الماضي، نشر معهد كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط، ترجمة عربية لمقال تحليلي عن “تهجين الأمن” أو “الأمن المرقَّع” في اليمن، باعتبار ذلك أحد أبرز مظاهر تشرذم الدولة اليمنية. يتحدث المقال الذي أعده إليونورا أرديماغني، عن القوات غير الرسمية التي باتت تتقاسم ملء الفراغ الذي خلفه الجيش: “في اليمن اليوم، ما من نظام أمني من القمة إلى القاعدة، بسبب الطابع المحلي الكبير الذي يتّسم به قطاع الأمن، ناهيك عن أن العديد من الأجهزة الأمنية باتت تستند إلى عملية تهجين بين المجموعات العسكرية الرسمية وغير الرسمية، ما أدّى إلى نشوء نوع من “الأمن المُرقّع”..”.
وبحسب المقال، فإن مفهوم “الأمن المُرقّع” يشير إلى “أن الدول المُتشرذمة، كاليمن، تؤثِر الاتفاقات الأمنية المحلية على الأطر الوطنية الشاملة، فتكثر الجهات الأمنية المتنافسة، مثل حالات التعايش/ التعاون بين الجيوش والجهات المسلحة غير الحكومية، ما يفسح المجال أمام تجارب أمنية هجينة على مستوى المعارك، ولاحقاً على مستوى الحوكمة”.
ويضيف: “يتميّز هذا النوع من الحوكمة الأمنية بعلاقات قوة أفقية لاعمودية، إذ يتم تشكيل التسلسل الهرمي على المستوى المحلي، لأن الدولة المركزية ليست فقط عاجزة عن توفير الأمن في الأراضي كافة، بل متنازَع عليها أيضاً، وتعتمد على “وجوه غير نظامية” للبقاء والاستمرار”.
ويستشهد المقال بالأوضاع الأمنية في عدن، حيث “تملك كل منطقة أو مديرية جهاتها الأمنية الخاصة، وتخضع أحياناً إلى سيطرة مُختلطة، تتراوح بين كلٍّ من قوات الحزام الأمني، وقوات الحماية الرئاسية، والميليشيات الانفصالية، والفصائل الجهادية”.
وفي حضرموت، يواصل المقال: “قامت قوات النخبة الحضرمية ووحدات الجيش في المنطقة العسكرية الأولى، بإنشاء منطقتَي نفوذ: تقع الأولى في المكلا والساحل، والثانية في شمال وادي حضرموت. وفي صنعاء وضواحيها، يحكم الأنصار السابقون للرئيس صالح مع اللجان الشعبية الحوثية، ما يعزّز عملية التمازج بين القوى الأكثر تنظيماً وتدريباً في اليمن، من جهة، وبين أكبر ميليشيا من جهة أخرى”.
وأشار الكاتب إلى أنه “يمكن اقتفاء آثار التهجين أيضاً في الكثير من ساحات القتال: ففي الحديدة، يتولّى طارق صالح، نجل شقيق الرئيس السابق، قيادة قوات الإنقاذ الوطني، وهي عبارة عن تحالف قتالي يضم موالين لقوات الحرس الجمهوري المنحلّة، ومقاتلين محليين تابعين لمقاومة تهامة، وسلفيين جنوبيين من “لواء العمالقة”. وفي تعز، يُحارب لواء أبو العباس ضد الحوثيين، إلى جانب قوات تحظى بشرعية الدولة (مثل اللواء الخامس- حماية رئاسية)، وهو تعاون مع وحدات طارق صالح لتسهيل الهجوم الذي قادته الإمارات العربية المتحدة على الحديدة، والذي بدأ في حزيران/ يونيو 2018″.
وأضاف: “وفي محافظة صنعاء، تُواجه فلول الفرقة الأولى- مدرّع في الجيش اليمني، التي يقودها الفريق الركن علي محسن الأحمر (وهو راهناً نائب الرئيس ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة)، الحوثيين، إلى جانب الميليشيات القبلية”.
المؤكد أن اليمن كان قد حقّق درجة من الاندماج الاجتماعي (أقل) مما يحتاجه كيان سياسي وطني ليبقى مستقراً ثابت الأركان، و(أكثر) مما يسهل تفكيكه والعودة إلى ما قبله بسلام ويسر.
وهنا المعضلة! نحن دولة التحمت أجزاؤها حديثاً، وهذه الحقيقة كانت غائبة عن الفاعلين المعارضين لحكم صالح. لم يعطوها حقها ولم يراعوها.
وعلى امتداد التاريخ اليمني، القديم والحديث، لم يتوقف خط الجدل والتدافع بين مجموع محركات التوحيد ومجموع محركات التجزئة. وإذا حدث وتغلبت قوى التوحيد السياسي، فإن قوى التجزئة تظل في حالة من الكمون، وما تلبث أن تنقض على الهيكل، وتعيد الأمور إلى سيرتها الأولى.
وكان هذان الاتجاهان التاريخيان البارزان يتوصلان في أوقات مختلفة إلى وضع من التكافؤ والاستعصاء.
“ومع ذلك، لم تتوقف محاولات التوحيد، لأن أسباب التفتيت هي نفسها تدفع إلى معاكستها والعودة إلى الوحدة”، كما يقرِّر المؤرخ والمفكر عبدالله العروي متحدثاً عن بلده المغرب.

* العنوان مقتبس من هذا البيت الشعري للبردوني:
(لأنَّ الذينَ طَفَوْا كالزَّبَدْ
أحلُّوا الشظايا محلّ البلَدْ)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق