أرشيفمقالات وتحليلات

بعد أربع سنوات من الحرب

المدونة اليمنية - عبدالرؤوف الصلوي

ما يقارب أربع سنوات منذ بدأ التحالف العربي عملياته العسكرية لاستعادة الشرعية في اليمن في مارس 2015 بعد سيطرة جماعة الحوثيين على الدولة في سبتمبر 2014 دون أن تحسم الحرب ما يطرح العديد من التساؤلات عن أسباب ومسببات إطالتها، وعن مآلاتها المستقبلية في ظل تزايد معاناة الشعب اليمني الذي يفقد ثقته بأطراف الحرب كلما طالت مدتها وتزايدت آثارها السلبية.

وبلاشك فإن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى عدم انتصار الشرعية رغم مرور ما يقارب أربع سنوات على بدء الحرب، وفي مقدمة هذه الأسباب تأتي التباينات بين مكونات الشرعية نفسها، بالإضافة إلى التباينات بين الشرعية ومكوناتها من جهة والتحالف العربي من جهة أخرى.

وتزداد هذه التباينات في المواقف وتتسع أكثر في ظل غياب رؤية موحدة بين مكونات الشرعية المختلفة على آلية استعادة الدولة والقضاء على الانقلاب في المسارين العسكري والسياسي، وكذا غياب الرؤية الاستراتيجية لدى دول التحالف العربي حول آليات استعادة الشرعية بحيث تحدد هذه الرؤية نوع وشكل العلاقة بين دول التحالف والحكومة الشرعية ومكوناتها بحيث تكون علاقة ندية قائمة على المصالح المشتركة واحترام خصوصيات جميع الأطراف، لا علاقة تبعية أو علاقة مبهمة وغامضة يختلف شكلها بين الحين والاخر مع اتساع فجوة العلاقة بين بعض أطراف التحالف العربي وبعض مكونات الحكومة الشرعية.

والملاحظ أن غياب هذه الرؤى قد زاد من فجوة الخلافات بين مكونات الشرعية ما أضعف أداءها، وجعل الحكومة الشرعية تمارس عملها بلا هدف محدد ما زاد من حجم وتزايد أخطائها في المجالات الادارية والسياسية والعسكرية، كذلك فإن غياب الرؤى التي تحدد العلاقة مع التحالف العربي قد زاد من حجم الخلافات بين بعض دول التحالف العربي وبعض المكونات السياسية داخل الشرعية، وخاصة العلاقة بين دولة الامارات العربية المتحدة والتجمع اليمني للاصلاح والتي تدهورت أكثر مع بدء الأزمة الخليجية في يونيو 2017 وهي الأزمة التي ألقت بظلالها على الوضع في اليمن.

فالمعروف أن الأزمة الخليجية قد أسفرت عن حالة من القطيعة التي اتخذتها السعودية والامارات ومصر والبحرين ضد قطر، وأدى ذلك إلى انسحاب قطر من التحالف العربية وتقاربها مع إيران، والتحريض اعلاميا عبر قناة الجزيرة ضد التحالف العربي في اليمن وتلميع الحوثيين، وهذا الموقف انعكس على تيار كبير داخل التجمع اليمني للاصلاح والذي يتلقى دعما ماليا واعلاميا من قطر ما جعله يعبر عن مواقفها التحريضية ضد دول التحالف العربي وخاصة دولة الإمارات.

ومن الأسباب الرئيسية لعدم انتصار الشرعية هو عجزها حتى الآن عن بناء جيش وطني على أسس سليمة، بحيث يكون قادرا على استكمال معركة التحرير والقضاء على الانقلاب، وكذلك عجز الشرعية عن بناء مؤسسة أمنية قادرة على ضبط الأمن ومكافحة الجريمة وتثبيت الاستقرار، وهذا الفشل تتحمله الحكومة الشرعية بالدرجة الأولى مع عدم اعفاء التحالف العربي عن المسؤولية في هذا الفشل.

فالمعروف أن انقلاب جماعة الحوثيين على الدولة قد دمر المؤسسة العسكرية والأمنية بشكل كامل من خلال سيطرة الجماعة الانقلابية على المعسكرات والمؤسسات الأمنية وسيطرتها على السلاح والمعدات ونهب الأرشيف وتدمير البنية التحتية للقوات المسلحة والأمن، ما زاد من صعوبة إعادة بناء المؤسستين خاصة في ظل الحرب.

وقد اضطرت دول التحالف العربي في بداية الحرب وفي غياب جيش مؤسسي أن تتعامل مع الأفراد في قيادة المقاومة الشعبية ودعمهم بالمال والسلاح ما ساهم لاحقا في بناء جماعات مسلحة موازية للجيش والأمن، وظهرت الآثار والنتائج السلبية لهذه الخطوة في مرحلة دمج المقاومة في الجيش، حيث أثرت على عملية الدمج من خلال رفض بعض المجاميع المسلحة الاندماج في اطار المؤسسات الرسمية التابعة للدولة، أو من خلال الفرز الحزبي والمناطقي في عملية الدمج.

كما أن الحكومة الشرعية تتحمل الجزء الأكبر من الفشل من خلال عجزها لسبب أو لآخر في دمج المقاومة في الجيش على أسس عسكرية سليمة، بحيث يتم إعداد الأفراد بدنيا وتأهيلهم بالخبرات العسكرية اللازمة التي تؤهلهم لمعركة التحرير، حيث اكتفى القائمون على عملية الدمج بدمج الكشوفات بعيدا عن الواقع وهو ما أفرز ألوية متفاوتة في عدد الأفراد، واستوعبت المجاميع المسلحة كما هي بحيث لم يتم توزيع الفصيل المسلح على عدة ألوية بل تم استيعابه بالكامل في اطار لواء واحد ما تسبب بفرز الألوية حزبيا ومناطقيا.

كما أن عدم فتح الشرعية لمعسكرات الاستقبال والتأهيل قد تسبب في افتقاد التربية العسكرية المتعارف عليها، وافتقاد الأفراد للتدريب القتالي وكيفية التعامل مع الأسلحة، بالاضافة إلى افتقادهم لخبرات ومهارات التخطيط العسكري والأمني اللازم، وكذلك افتقادهم للانضباط العسكري.

بالاضافة إلى ذلك يبرز افتقاد السلاح النوعي القادر على حسم المعركة، حيث لا يزال السلاح يوزع بطريقة عشوائية بحيث يتم تكديسه في بعض الجبهات وافتقاده في جبهات أخرى، بالإضافة إلى غياب وتغييب القيادات العسكرية المؤهلة والتي تمتلك الخبرة والكفاءة والقدرة على القيادة، حيث أن التدخلات التي قامت بها بعض القوى السياسية والاجتماعية في بناء الجيش قد ساهمت ببروز تضخم في عدد الأفراد ويكفي أن نعرف أن عدد المرقمين في محافظة مارب فقط تجاوز 200 ألف فرد، كما ساهم ذلك ببروز عدد مهول من الأسماء الوهمية داخل الجيش ووجود عشرات الآلاف من حالات الازدواج الوظيفي وخاصة من قطاع التربويين الذين حصلوا على أرقام عسكرية وباتوا يقبضون رواتب من الجيش ومن التربية والتعليم.

كما ساهمت هذه الاختلالات بتعيين أفراد مدنيين لقيادة الألوية والمحاور العسكرية وتم منحهم الرتب العسكرية بعيدا عن المعايير العلمية والمتعارف عليها في السلك العسكري ما تسبب ببناء جيش هش يفتقد الخبرة العسكرية والقتالية كما يفتقد الولاء الوطني الذي يجب أن يمتاز به، ويبرز ذلك في محور تعز على سبيل المثال والذي تم تعيين أفراد مدنيين في قيادة المحور كمستشار وآخر رئيس للعمليات.

كما أن هذا الوضع الهش داخل المؤسسة العسكرية والأمنية قد ساهم في اختراق الجيش الوطني من قبل الانقلابيين عن طريق دس عدد من العسكريين والأمنيين الموالين لجماعة الحوثي في صفوفه ونقل المعلومات إلى الطرف الآخر والتأثير على سير المعارك في أكثر من جبهة، بالإضافة إلى صناعة الانفلات الأمني داخل المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية.

الاختلالات التي رافقت بناء الجيش ساهمت في عجز الحكومة الشرعية والتحالف العربي الداعم لها عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة لقيادة المعركة العسكرية ضد الانقلابيين تحت قيادة موحدة، حيث لا زال الجيش بوضعه الحالي يقود المعارك العسكرية بقيادات متعددة تقود مجاميع مسلحة يقودها بالغالب مدنيون عاجزون عن إدارة المعركة بأسلوب وتكتيك وتخطيط عسكري، ما يزيد من حالة العشوائية في قيادة المعارك ويتسبب بزيادة في الخسائر البشرية والمعدات والسلاح دون تحقيق تقدمات عسكرية تغير خارطة السيطرة على الأرض بشكل فعلي.

فعملية التحرير لن تتم إلا من خلال القتال بوحدات عسكرية منضبطة وبتشكيلات عسكرية مبنية على أسس سليمة يقودها عسكريون محترفون ومؤهلون، وقادرون على قيادة المعركة باحتراف وكفاءة، وبتسليح وتجهيز عسكري مناسب لقيادة معركة بهذا الحجم.

وفي الجانب السياسي وإدارة الدولة برزت العديد من الأخطاء التي ساهمت في فشل الشرعية ما تسبب بتفشي الفساد المالي والاداري فيها، وعجزها عن القيام بدورها تجاه مواطنيها، وتقديم النموذج الايجابي في مناطق سيطرتها، حيث عجزت عن تقديم الخدمات الرئيسية العامة كما عجزت عن صرف رواتب الموظفين، وهي أسباب ساهمت في اضمحلال الحاضن الشعبي لها عاما بعد عام.

ويتمثل الفساد الاداري للشرعية في حالة التضخم التي تعاني منها الحكومة والتي يقترب عدد الوزراء فيها من 40 وزيرا، في الوقت الذي يفترض بها أن تكون حكومة حرب مكونة من الوزارات السيادية فقط والتي لا تتجاوز ثمان وزارات، كما أن الحكومة تعاني من تضخم مضاعف في عدد الوكلاء والوكلاء المساعدين والمستشارين في كل وزارة حيث يزيد عددهم في بعض الوزارات عن 15 وكيل ووكيل مساعد ومستشار، ويقبضون رواتب كبيرة بالعملة الصعبة ما يزيد من الأعباء المالية على الحكومة على حساب قوت الشعب واحتياجاته الضرورية.

والأدهى من ذلك هو الفساد الإداري المصاحب لقرارات التعيين في هذه المناصب، حيث أن معظم من تم تعيينهم في الوزارات والمؤسسات السيادية قد تم تعيينهم بطريقة مخالفة للقانون، وبعيدة عن شروط التعيين والترقية في الوظيفة العامة ما تسبب ببناء هيكل حكومي غير مؤهل وغير قادر على ممارسة مهامه.

فقد عمل الرئيس هادي بوعي أو بلا وعي على تعطيل مؤسسة الرئاسة التي تعد أهم مؤسسة في الدولة، حيث تم تحويل مكتب رئاسة الجمهورية إلى ما يشبه السكرتارية المصغرة وتم تعطيل الدور المناط به لينفرد مجموعة من الأشخاص بصياغة وإعداد القرارات والتعيينات، ما نتج عنه قرارات ارتجالية تقوم على الشللية والمحسوبية والعلاقات الشخصية حيث وصل الفساد إلى تعيين وكلاء وزارات بالعشرات من غير الموجودين في الهيكل الوظيفي للدولة، ما تسبب بهزالة وضعف الهيكل الاداري للحكومة والذي انعكس على جميع مؤسسات الدولة.

كما أن الحكومة الشرعية وحتى بعد صدور قرار الرئيس عبدربه منصور هادي بالاعلان عن عدن عاصمة مؤقتة للبلاد، ظلت هذه الحكومة خارج البلاد وترفض أن تعود إلى عدن لممارسة مهامها من داخلها، على الرغم من تزايد الأصوات الشعبية والحزبية المطالبة بعودة الحكومة لممارسة عملها من داخل اليمن، وتفعيل الوزارات والمؤسسات والمكاتب التنفيذية للقيام بدورها، وهذا الأمر أضعف دور الحكومة وجعلها عاجزة عن القيام بأي دور من الأدوار التي يجب أن تقوم بها، وساهم أيضا في اهتزاز ثقة المواطنين فيها.

بالإضافة إلى ذلك فإن غياب الحكومة خارج البلاد قد تسبب في تعطيل المؤسسات الحكومية في المناطق المحررة، وزاد من هشاشة الشرعية وغياب دورها ما جعل المناطق المحررة تدخل في ما يشبه مرحلة اللادولة في ظل غياب الخدمات العامة والرئيسية، وغياب الأمن والاستقرار والنظام والقانون.

ولعل الوضع في العاصمة المؤقتة عدن يعد شاهدا حيا على ضعف نموذج الدولة في مناطق الشرعية، حيث عجزت الحكومة حتى الآن عن توحيد الأجهزة الأمنية وبسط الأمن الذي يعد أهم دعائم الاستقرار، وتنعكس حالة الانفلات الأمني في تزايد الاغتيالات والتفجيرات وحالات السلب والنهب بالقوة، كما أن الوزارات اكتفت بفتح مبان خالية من الموظفين ولا تمارس مهامها في ظل غياب الوزراء والوكلاء عن البلاد واقامتهم في الرياض والقاهرة.

والثابت أن قدرة الشرعية على الحسم العسكري ترتبط بقدرتها على تحقيق الانتصار السياسي أولا، أي أن القضاء على الانقلاب لا يمكن أن يتم إلا باستعادة مؤسسات الدولة وتفعيلها وهو ما عجزت عنه الشرعية حتى الآن في مناطق سيطرتها حيث لا تزال عاجزة عن خلق النموذج الايجابي في عملية إدارة الدولة وتثبيت الأمن وتقديم الخدمات العامة وفي مقدمتها الصحة والتعليم والكهرباء والمياه والصرف الصحي، حيث إن المناطق الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين تكاد تكون أفضل حالا في الحفاظ على هامش الدولة وفي مقدمتها الجانب الأمني.

كذلك فإن الحكومة الشرعية قد وضعت نفسها في موقف ضعف من خلال سوء تعاملها مع موضوع رواتب الموظفين، وخاصة بعد الاعلان عن نقل البنك المركزي إلى العاصمة المؤقتة عدن، حيث تملصت الشرعية عن واجبها القانوني تجاه الموظفين في القطاع العام والمتمثل بدفع رواتبهم حيث اكتفت بدفع رواتب الموظفين في المناطق المحررة دون المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وهو ما أثر سلبيا على الحاضن الشعبي الداعم لها في تلك المناطق.

ويبرز أيضا الضعف الدبلوماسي للشرعية ضمن الأسباب التي أدت إلى عدم انتصارها بعد أربع سنوات من الحرب، حيث شهدت السفارات اليمنية في الخارج تعيينات بالجملة للسفراء والموظفين وفقا لمبدأ المحاباة والعلاقات الشخصية، وتم تعيين سفراء عاجزين عن حمل قضية الشعب اليمني إلى المجتمع الدولي من اجل ممارسة الضغط السياسي على الانقلابيين، وهذا ما جعل المجتمع الدولي يتماهى في مواقفه مع الانقلابيين ويتعامل معهم كسلطة أمر واقع.

وبلاشك فإن استمرار الشرعية في ممارسة الأخطاء في إدارة الجانب العسكري والجانب السياسي سيساهم في تأخير الانتصار والقضاء على الانقلاب، لانه لا يمكن هزيمة الانقلابيين الا باستعادة مؤسسات الدولة وتفعيلها وتقديم النموذج الايجابي في ادارة الدولة داخل المناطق التي تسيطر عليها الشرعية، وهذا يستدعي عودة الحكومة للعاصمة المؤقتة واحداث اصلاحات ادارية وعسكرية لتلافي الأخطاء ومعالجتها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق