سلايدرمقالات وتحليلات

إيران و السعودية .. أيهما انتصر في اليمن حتى الآن؟

المدونة اليمنية .. بقلم محمد عايش

من وجهة نظر العالم، وبغض النظر عن التفسيرات التفصيلية المعتادة لدى الأطراف اليمنية، فإن الصراع الدائر في اليمن هو صراع بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية في إيران.
أكثر من أربع سنواتٍ مرت حتى الآن من حرب مدمرة أحرقت مستقبل البلد الفقير لمدة خمسين سنة قادمة على الأقل، دون أن يظهر في الأفق دليل على أن أحد طرفيها قريب من حسمها لمصلحته، غير أن بإمكان المراقب وضع يده على أكثر من مؤشرٍ يميل بالكفة لمصلحة طرفٍ على حساب الطرف المقابل.
يمكننا هنا رصد هذه المؤشرات طبقا للوقائع المرصودة يومياً، وللتطورات المشهودة في هذه الحرب المعقدة ومسدودة النهايات حتى اللحظة، وجميعها مؤشرات يمكن المحاججة بشأنها لكن لا يمكن نكرانها نهائياً:
أولاً: من الواضح جدا أن إيران تفوقت ميدانياً، بحكم تمكن حلفائها في اليمن من الصمود أربع سنوات أمام ضربات تحالف إقليمي واسع بقيادة السعودية، بحيث أنهم (حلفاء إيران وهم هنا الحوثيون)، لازالوا قادرين، بعد مضي كل هذه المدة، وبفضل تقنية التسلح الإيراني، على تهديد بضعة مدن ثانوية ومصالح حيوية في المملكة، كما يبدون أبعد ما يكون عن الانهيار والسقوط تحت طائلة هزيمة عسكرية.
ثانياً: يمتلك الحوثيون، بفضل هذا الصمود، قدرة كافية على مناورة العالم سياسياً، استناداً إلى منطق: “لو كنا مخطئين لما صمدنا”، أو بحسب تعبيرهم الأكثر شيوعا على ألسنة ممثليهم في بعض المحافل الدولية: لو لم يكن الشعب معنا لما نجونا حتى اللحظة (وهو تعبير مقتبس نصاً من لسان ممثل للجماعة في إحدى مداخلاته خلال فعالية سياسية عقدت مؤخرا في عاصمة أوروبية).
هذه هي كفة إيران إذاً، وثقلها الأساسي يتمثل في “النجاة” والقدرة على “صمود” الجماعة.
أما بالنسبة للملكة العربية السعودية فيبدو انتصارها، الوازن، بل والأكثر من وازن بنظر مؤيديها، في جملة حقائق مقابلة:
أولاً: مقابل قدرة طهران على تجنيد فصيل يمني واحد ذي طابع جهوي (مذهبي وعرقي) أمكن للرياض أن تستقطب بقية الفصائل اليمنية، بل في الواقع: كل الفصائل اليمنية المعروفة والمكونة لكامل الخارطة السياسية في اليمن طوال أكثر من ستين عاما وحتى لحظة ظهور الحوثيين كفصيل منافس في العام 2004 فقط.
بجردة سريعة يمكن استيعاب ما نتحدث عنه هنا، ففي صف التحالف السعودي الإماراتي يقف: المؤتمر الشعبي العام (حزب الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، وهو الحزب الرئيس الذي حكم البلاد 33 عاما)، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، ثاني أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، والحزب الاشتراكي اليمني، الحزب الذي حكم جنوب اليمن أكثر من 25 عاما، والتنظيم الوحدوي الناصري، وكل الأحزاب والتنظيمات الفرعية والصغرى الأخرى.
الجنوب كله، بكل فصائله، يقف في صف السعودية، ومن الشمال تقف تعز أيضا وهي أكبر محافظة سكانياً في شمال البلاد وجنوبها معاً.
وفي التقسيم المذهبي يقف المنتمون إلى المذهب الشافعي عموما، وهو مذهب الأغلبية في البلاد، إلى جانب الرياض.
كما أن أبرز مشائخ القبائل يقاتلون إلى جانب التحالف بقيادة المملكة كآل الأحمر وآل الشائف.
رجالات الدولة اليمنية (التكنوقراط المعرفون) يقفون في أغلبهم في صف المملكة، والحال ذاته ينطبق على معظم القيادات العسكرية المنتمية للجيش اليمني و ذات المناصب الرفيعة والمتوسطة.
إن الغلبة الواضحة للملكة في التأييد النخبوي والاجتماعي داخل اليمن هو أمر لا يمكن أن تخطئه عين، فيما يقتصر الانحياز لإيران على الأقلية الشيعية التي قُدر لها أن تكون منظمة ومسلحة بشكل أفضل من بقية الأحزاب والفصائل اليمنية.
لقد نجحت السعودية في كسب ولاء كل اليمنيين باستثناء التيار الشيعي المذهبي المقاتل في جبال اليمن، ولم تنجح طهران الا في إضافة هذا التيار نفسه الى قائمة الأعباء التي تثقلها أمام العالم وأمام إقليمها.
سلوكيات أنصار الله (الحوثيين) وطبيعة مواقفهم المتشككة تجاه كل اليمنيين، من خارجهم، أسهمت بشكل أساسي في إلحاق كامل النخبة اليمنية، سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية وجهوية، بالرياض، وكانت هذه، ولا زالت، إحدى أهم وأكبر مكاسب السعودية في هذه الحرب على الإطلاق.
ثانياً: لعل طهران نجحت في مد حليفها في اليمن بمقومات الصمود الكافي حتى الآن، لكن السعودية بالمقابل نجحت في تحويل حليف طهران إلى مجموعة معزولة ومحاصرة ومدانة من القوى الدولية بأغلبها، وتحت طائلة عقوبات دولية مندرجة تحت الفصل السابع، هذا على المستوى السياسي، وعلى المستوى الميداني فإن حلفاء طهران غير قادرين على استيراد حتى طنٍ واحد من القمح، أو جالون من النفط دون أن تسمح بذلك سفن التفتيش القابعة في البحر الأحمر والموالية للتحالف الذي تقوده السعودية.. وتبعا لذلك فإن اليمن بكله ومن جهاته الأربع هو تحت طائلة إدارة الرياض، ومن وجهة هذه الحقيقة فإن صمود حلفاء إيران لا يعني غير رهن السيادة اليمنية أكثر وأكثر للعقوبات والرقابة الإقليمية والدولية.
ثالثاً: على مستوى الخسائر العسكرية والبشرية، فإن الأرقام، طبقا لمعلومات شبه مؤكدة، تتحدث عن أكثر من خمسين ألف قتيل في صفوف المقاتلين الحوثيين، فيما الخسائر على الجانب السعودي تكاد تحصى بالعشرات، وفي صف حلفاء المملكة من الأطراف اليمنية المقاتلة فإن عدد القتلى لا يمكن أن يصل إلى نصف عددهم في الجانب الحوثي. ومرد ذلك الى التفوق القتالي الحاسم للسعودية وحلفائها خصوصا التفوق الجوي.
وعلى صعيد الأسرى، فإن أكثر من 7 ألف مقاتل حوثي يقبعون في سجون السعودية وحلفائها، وهو رقم فادح خصوصا إذا تمت إضافته إلى الأعداد المهولة للقتلى والجرحى.
وبالمقابل فإن أسرى الرياض لدى حليف طهران لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة، بينما أسرى حلفاء المملكة لدى الحوثي بالمئات إذا استُثني منهم من تم اعتقالهم من منازلهم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين بتهم موالاة “العدوان”؛ أي الشرعية والسعودية.
كل ذلك يشكل عبئاً بشرياً وإنسانيا، بل وحتى قتالياً، طويل المدى على الحوثيين، حيث أنها كلفة قل أن تحتملها كبار الجيوش، كيف بجماعة محاصرة بتناقضات اجتماعية وعسكرية وأمنية، والأهم لوجستية، بالغة التعقيد والصعوبة.
على جانب معركة الجغرافيا فإن التحالف بقيادة السعودية تمكن من استخلاص معظم الأراضي اليمنية وإخراج الحوثيين منها، بدءاً بأراضي الجنوب الأكبر مساحة، ثم أجزاء مهمة وحيوية من أراضي الشمال كمأرب ومساحات من محافظة تعز وكامل الساحل الغربي باستثناء الحديدة.
مياه اليمن الإقليمية، وكامل جزرها بما فيها سقطرى وميون وأرخبيل حنيش وغيرها، كما سواحل اليمن الطويلة الممتدة من ميدي حتى المهرة، جميعها تحت سيطرة “الشرعية” الحليف الرئيس للسعودية والإمارات في اليمن.
ومع استمرار وضعٍ ، اجتماعي وعسكري وجيوسياسي، كهذا فإن جماعة الحوثيين تصبح معزولة في زاوية حادة ستعجز طهران على المديين القريب والبعيد، عن اخراجهم منها.
الوسوم
اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. معركة مصالح وتجاذبات عامة بين كل اطراف المنطقة وليس فقط السعودية وايران
    فقطر وتركيا وسلطنة عمان وايضا الامارات بدرجة اولى
    بالاضافة الى دول مثل مصر الذي تسعى لحماية منفذها البحري والقوى العالمية التي تسعى الى ابتزاز دول الخليج وعقد صفقات شراء السلاح …الخ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق