أرشيفسلايدرمقالات وتحليلات

ما الذي حققته 4 سنوات من الحرب بالقياس إلى أهدافها المعلنة؟

المدونة اليمنية – خاص :

بحلول 26 مارس 2019، تكون الحرب قد أكملت عامها الرابع منذ اللحظة التي أطلق فيها تحالف بقيادة السعودية، حملة عسكرية ضد جماعة الحوثي، حلفاء إيران في اليمن، وإعادة الرئيس المعترف به دولياً عبدربه منصور هادي.
ويتخذ المهتمون بالشأن اليمني من هذه المناسبة، مناسبةً لتقييم الواقع الذي صنعته الحرب في مساراتها خلال المرحلة السابقة. ومن المألوف أن تثير مناسبة كهذه سؤالاً رئيسياً لتحديد من نجح ومن أخفق حتى هذه اللحظة. ولا بد قبل كل شيء من التسليم بفكرة أن مقياس النجاح والفشل في الحرب يختلف باختلاف وتنوّع أهدافها المعلنة وتعريفاتها المتباينة بتباين مصالح ومعتقدات الأطراف المشاركة فيها.
إذا نظرنا إلى الحرب طبقاً لتعريف الحوثيين لها في إعلامهم، أي بوصفها حرباً تدور بين السعودية كدولة واليمن كدولة، فإن اليمن الذي يقولون إنهم يمثلون دولته، هو من الناحية العسكرية التقليدية في وضع الطرف المهزوم والمهدوم بالقياس إلى حجم الخسائر والأضرار الطفيفة التي لحقت بالسعودية كدولة، حتى الآن على الأقل.
أمّا إذا نظرنا إلى الحرب بالطريقة التي يصورها إعلام التحالف بقيادة السعودية، والأطراف اليمنية الموالية له، أي إذا نظرنا إليها كحرب تخوضها السعودية داخل اليمن -وليس ضد اليمن- لتغليب طرف يمني يمثل السلطة الشرعية، المعترف بها، على طرف يمني آخر انقلابي ومعادٍ للسعودية وحليف لإيران، فإن نتائج الحرب، في هذه الحالة، تقاس بطرق مختلفة كل الاختلاف.
السعودية في حربها داخل اليمن لم تحقق أهدافها المعلنة على النحو الذي يرضي آمال وتوقعات من استنجدوا بها واحتموا في كنفها. أما إذا كانت حربها مع اليمن، وإذا كان الهدف تحطيم وسحق كيان الدولة اليمنية، فالمؤكد أن الحرب قد أنجزت غرضها كلياً، ولن تحقق أكثر مما حققته.
والحوثيون مهزومون، بالقياس إلى تعريفهم المعلن الرنّان للحرب. بمعنى أن اليمن -التي انتدبوا أنفسهم للتحدث باسمها- دولة مهزومة ومستباحة ومقطّعة الأوصال. في حين أن التحالف بقيادة السعودية متعثّر وفاشل (حتى هذه اللحظة) بالقياس إلى تعريفه هو للحرب وأهدافها المعلنة.
المؤكد أن التعريفات المعلنة من قبل الحوثيين، لا تعدو أن تكون أكثر من ضجيج فارغ يخفي دوافع صغيرة ودنيئة، في حين يعلم الجميع أن غاية ما يسعون إليه لا علاقة له بالسيادة الوطنية والتحرّر الوطني، وإنّما تمكين نظرية حكم طائفية رثّة، ولو على قطعة صغيرة من البلاد. والبرهان على ذلك أنهم لن يجدوا حرجاً من أن يتصرفوا تصرف المنتصر، ويظهروا بكامل خيلائهم وزهوهم، حتى لو لم يتبقَّ تحت سيطرتهم إلا صنعاء شمال الشمال. فهذه النتيجة في حساباتهم تفوق ما كانوا يطمحون إليه. أي أن مفهومهم الحقيقي للنصر ضيق جداً بالمقياس الوطني، لكنه واسع ونموذجي إذا ما قيس بمقياس الجماعة التي كان صعودها طفرة لم تكن في الحسبان.
وأمّا التحالف، بقيادة السعودية، فإنه لم يتوقف لحظة عن خيانة أهدافه المعلنة عملياً، إذ راح يسلك منذ البداية مسلكاً متناقضاً لا يؤدي إلّا إلى مستنقع كبير يحتل الحوثيون ركناً صغيراً في شماله.
▪ عندما كان الإمام يحيى يحارب ضد الوجود العثماني في شمال اليمن، فإنه كان يفعل ذلك في البداية من موقعه كزعيم ديني لحركة تمرد مسلحة في إطار الإمبراطورية العثمانية. وكانت هزائمه العسكرية لا تظهر على شكل هزائم، بل لعله كان يجد فيها دافعاً معنوياً جديداً لاستمرار التمرد.
لقد كان يحارب للحصول فقط على منطقة حكم ذاتي داخل الامبراطورية.
لكن عندما دخل الإمام يحيى نفسه في الحرب الشهيرة مع السعودية، عام 1934، كان قد أصبح حينها “دولة” مستقلة يقف هو على رأسها، وبالتالي كانت هزيمته العسكرية في تلك الحرب لا يمكن تسميتها بغير الهزيمة.
كانت نتيجة حربه مع ابن سعود مخزية ومزعزعة لشرعية نظامه الإمامي.
هذا يشير، بدرجة من الوضوح، إلى أن حركة التمرد في العادة ترى أن مجرد احتفاظها بموطئ قدم تتحرك فيه بمثابة انتصار حتى لو تم تحجيمها عسكرياً، فصورتها في نظر نفسها لا تتأثر بالهزيمة.
الحرب الحالية بقيادة السعودية ضد جماعة الحوثي في اليمن، تتسم بسمات تاريخية معقدة. لكن يمكن مقارنتها -من بعض الوجوه فقط- مع حرب الإمام يحيى قبل “صلح دعان” لانتزاع منطقة حكم ذاتي ضمن الدولة العثمانية، مع الأخذ بالاعتبار الفارق الحاسم بين طبيعة الزمنين، علاوة على أن الحوثيين في إعلامهم يميلون إلى تقديمها، ضمنياً، كأنها نسخة تشبه حرب مملكة يحيى مع مملكة ابن سعود، في ثلاثينيات القرن الماضي، وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة.
واقع الحال يقول إنها حرب تخوضها الدولة السعودية وتحالفها كطرف، بينما يوجد في الطرف الآخر حركة تمرد مسلحة يمنية، تحمل سمات طائفية بمعيار هذه الحقبة من التاريخ، وهذه الحركة مرتبطة -سياسياً ولوجستياً وأيديولوجياً- بمحور إقليمي تتزعمه إيران التي يوفر لها الحوثيون منصة عمل داخل مجال نفوذ السعودية، وفي نطاقها الأمني الحساس.
لهذا السبب بالذات نرى الحوثيين مقتنعين بأن كل ما أصاب اليمن كدولة وبلاد، من دمار وأضرار وتفكك وفواجع، ليس هزيمة لهم، الأمر الذي يفضح تصريحهم بأنهم يقاتلون دفاعاً عن دولة تواجه غزواً أجنبياً.
وليس من المجازفة القول بأن السعودية تمثل بالنسبة للحوثيين ما كانت تمثله الامبراطورية العثمانية بالنسبة للإمام يحيى، خلال تمرده المسلح في ولاية اليمن، ثم مفاوضاته مع الأتراك، والتي انتهت بصلح دعان.
وهذا يعني أن حال الحوثيين مع السعودية، حرباً وسلماً، لا يشبه نمط علاقة الإمام يحيى وحروبه مع ابن سعود، التي انتهت باتفاقية الطائف، ولا يشبه أي شكل من أشكال العلاقات اليمنية السعودية الرسمية وغير الرسمية في اليمن الجمهوري شمالاً وجنوباً.
في النقاط التالية تلخيص لأبرز المصادر التي لازالت تتدفق منها القوة المعنوية للحوثيين:
1- هناك أولاً الفشل الفاضح للرئيس هادي، وضعف شخصيته، وإسهاماته الشهيرة في المسار الذي قاد إلى سقوط العاصمة بيد الحوثيين، كنتيجة لعدم وجود إرادة وطنية، بالتزامن مع “انحلال خلقي عام”، الأمر الذي أدى في الأخير إلى الانهيار المرعب للدولة.. إضافة إلى استمرار إقامة هادي خارج اليمن، بوصفه دليلاً ساطعاً على انتفاء شرعيته من ناحية عملية.
2- انقسام وتفكك وتعدد أجندات الأطراف التي تقاتل الحوثي تحت المظلة الاسمية للتحالف بقيادة السعودية والإمارات، بالمقارنة مع وحدة الجبهة الحوثية على مستوى القيادة والخطاب والهدف.
3- المحتوى (الطائفي/ الجغرافي/ المناطقي) الفاقع الذي قامت عليه كثير من التشكيلات المسلحة المشاركة في القتال ضد الحوثي. ورغم أن الحوثي في جوهر حركته يتكون من محتوى مذهبي وامتياز سلالي، ناهيك عن البعد المناطقي، إلا أنه يبدو أقدر منهم (قليلاً فقط، وأشدد على كلمة قليلاً) على تمويه هذا المحتوى تحت طلاء رقيق من الوطنية الرديئة والمنقوصة كليّاً، لكنه طلاء لا يخلو من نفع سياسي ودعائي يثير التباساً وتضليلاً، وخصوصاً في مناطق القبائل المكسورة والمستباحة.
4- هناك أيضاً موضوع التدخل الخارجي، والذي تصرفت أطرافه، منذ البداية، بطريقة خاطئة أطالت أمد الحرب، وجعلت من السهل تصوير تدخلها كغزو وعدوان على اليمن، في مقابل تصوير الحوثيين لأنفسهم في دور الحركة المنافحة عن السيادة والتحرر الوطني بخطاب ديني على نحو مشابه تقريباً لنموذج حركة الشباب الصومالية المتشددة، وحركة طالبان في أفغانستان.
5- اتخذت الأحداث، بشكل عام، منحى كارثياً مشؤوماً، وهو ما هيّأ لأيديولوجية الحوثيين المناخ الداخلي والإقليمي الذي تستطيع من خلاله دعم حججها وشعاراتها، وبما يساعد على استقطاب مقاتلين وأنصار عبر إضافة الشعور بعدالة القضية، إلى جانب حافز المصلحة الخاصة.
6- علاوة على هذه المصادر، التي تعمل إما مجتمعة أو فرادى، هناك أيضاً التوابل الأخرى المضافة إلى الخلطة: العداء لإسرائيل وأمريكا كأيديولوجيا شعبوية للحوثيين، تفصح عن نفسها بالتناغم مع اتجاه السياسة الرسمية لما يسمى محور الممانعة، وعلى رأسه إيران، الذي بات ينظر إليه في مقابل محور السعودية، الذي يضم بالضرورة الحكومة اليمنية برئاسة هادي، وهو المحور الذي يتحول تدريجياً نحو الاعتراف بإسرائيل، والتعامل معها بشكل طبيعي.
7- وبالطبع، هناك المصدر الأساسي الذي يلهب حماسة ومعنويات النخبة العلوية الهاشمية، وهو المصدر الذي يقع في مركز خطوط ومصادر الدعم النفسي الأخرى، ونقصد به العطش البهيمي للسلطة، بالاعتماد على الدعوة الجهادية التقليدية لإعادة تنصيب الإمامة الهادوية من جديد، بعد انقطاعها منذ 1962.
8- ويجد الحوثيون العون من عوامل انقسام اجتماعي في النطاقات الفرعية، وهو ما يعطي مجالاً خصباً لممارسة الاستقطاب المدجج بمستويات متعددة من الخطاب وأساليب الإقناع التي تمزج بين اعتبارات “وطنية” منتقاة بعناية، جنباً إلى جنب مع الاعتبارات الخاصة، الشخصية أو القبلية أو العائلية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق