تقاريرسلايدر
أخر الأخبار

لماذا تنامت السوق السوداء للبترول في مناطق سيطرة «الحوثيين»؟

المدونة اليمنية- خاص :

منذ ستة أعوام تشهد صنعاء والمناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين أزمة خانقة في المشتقات النفطية، لكن الأزمة هذا العام هي الأكثر إيلاماً،والأطول وقتاً لاستمرارها منذ أزيد من ثمانية أشهر،وقد فاقم الحوثيون الأزمة حينما أغلقوا محطات بيع البترول الرسمية بشكل كلي،ووسعوا من تواجد نقاط بيع البترول في السوق السوداء التي تستغل حاجة الناس ،فصفيحة البترول سعة 20ليتر تباع في ذلك السوق اليوم بخمسة عشرة ألف ريال ،الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أجور النقل والمواصلات وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية.ولم يسلم ساكني صنعاء من حرائق السوق السوداء التي تلتهم الناس،وتُخلف الأضرار في الممتلكات والعتاد.وأصبح الناس في حيرة من أمرهم ولسان حالهم يقول:إلى متى ستستمر أزمة البترول،وكيف تتواجد كميات البترول المهولة في السوق السوداء؟،ومن أين يأتي البترول المباع في تلك السوق؟وهل للحوثيين مصلحة في ذلك؟”المدونة اليمنية”،تبحث عن إجابات لتلك التساؤلات في هذا التقرير.

مجهول المصدر :

اعتاد وليد،ذو العشرون عاماً ،منذ ثلاثة أعوام، بيع البترول مفترشاً بسطة على قارعة طريق شارع الستين بالعاصمة صنعاء،حيث يشتري الصفحية البترول 20لتر،بعشرة ألف ريال ويبيعها لسائقي السيارات بـ خمسةعشرة ألف ريال،وذلك في الأيام العادية،ويقصد بها الأيام التي لا تسبق الأعياد الدينية والمناسبات الوطنية.
مثله يعمل في ذات المهنة ،سبعة من أبناء عمومته،ينتشرون في نقاط بيع للبترول في شارعي الستين و السنينة شمال صنعاء.
في حديثه لـ”المدونة اليمنية”،يقول وليد،أنه يشتري البترول من رضوان القيداني،التاجر الكبير،لكن وليد،لا يعرف أسم التاجر الأكبر الذي يقوم بتوريد البترول لرضوان،ومن أين يأتي بالبترول.
حينما بحث مراسل”المدونة اليمنية”،عن المزود الرئيسي للبترول المباع في تلك السوق،عبر تجار البترول ،وجد أنه يعود لعبدالغني القيداني،أحد أقارب علي المطري مدير الدائرة المالية الأسبق في وزارة الدفاع الواقعة تحت سيطرة الحوثي،حيث يعمل منذ انقلابهم واستيلائهم على صنعاء عدد من منتحلي صفة الضباط من أتباع المليشيا الحوثية يقومون ببيع البترول في السوق السوداء للتربح والإثراء .
وفي سوق أخرى في حي سعوان يمكث الطفل عبدالله مدة ثلاثة عشرة ساعة لبيع البترول مقابل حصوله على خمسمائة ريال وربطة قات ،ووجبتي غداء وعشاء،وهو لا يعلم هو وجميل الفائق،الثلاثيني الذي يُشغله ،أنهم يعملون على ثراء مشرفين وقياديين حوثيين يقومون بإستقدام البترول بواسطة مهربين يعملون في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية،حيث يتم تهريب البترول من حضرموت ومأرب،وتكون نقطة التلاقي في مفرق الجوف،وهو اليوم بات يُعرف بسوق تهريب البترول،حيث يبيع المهربون صفيحة 20لتر من البترول بـ7ألف ريال بزيادة أربعة ألف ريال عن السعر الرسمي الذي تبيعه الحكومة الشرعية في مناطق سيطرتها،وبذلك يستفيد المهربون من فارق السعر،كما يستفيد المشرفين الحوثيون من ذلك الفارق حينما يتم بيع الصفحية 20لتر بأزيد من 15 ألف ريال.كما يقول أحد تجار بيع البترول المقرب من الحوثيين خلال حديثه لـ”المدونة اليمنية”.

 

هوامير النفط:

مصدر ثالث لتغذية السوق السوداء التي يدريها الحوثيون،يأتي من مندوبي شركات نفطية يديره نفس االقياديين الحوثيين أنفسهم،تلك الشركات المستحدثة دخلت على خط الأزمة حينما فرضت نفسها أن تكون ضمن مجموعة من الشركات المستوردة للبترول.
لكن كيف تزود تلك الشركات السوق السوداء بالبترول؟
يكشف حقيقة هذا الأمر مصدر مقرب من رجل الأعمال مهدي علي صغير، وهو من التجار الصاعدين بقوة في زمن الحوثيين، ويُعرف في أوساط الحوثيين بإسم أبو محمد، وهو المسئول عن توزيع كميات مهولة من البترول المباع في السوق السوداء في صنعاء وعدد من المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين وغالببية تلك الكميات من النوع الردىء الذي يعرف تسميته شعبياً بالبترول الملون.
وصلت جرأة “أبومحمد”،قيامه بتوزيع مئات الطرمبات الخاصة بتعبئة البترول والديزل على عدد من نقاط البيع في السوق السوداء، وخاصة في مناطق جنوب صنعاء.
وفي تقرير أخر ذي صلة كشفت مبادرة”regain yemen لإستعادة الأموال المنهوبة، عبر فريق استقصائي تابعً لها، بأنه تمكن من الحصول على وثائق ومستندات مختلفة كشفت، كيف سيطرت القيادات الحوثية على البترول ومختلف القطاعات الاقتصادية في اليمن.
ومن بين تلك القيادات محمد عبدالسلام فليتة الذي كشف التقرير عن شبكته المالية التي يتركز معظمها في مجال الخدمات النفطية، و كدفعة أولى حصل فريق العمل على بيانات نحو 1250 شركة ومؤسسة تجارية وخدمية ، بينها 250 شرك ة تعمل من خلاله المليشيا الحوثية للسيطرة على السوق المحلي.
ومن بين الشركات النفطية التي تضمنها التقرير، شركة “أوسس أويل” لاستيراد المشتقات النفطية،والتي يملكها ماجد عبدالله أحسن دباش المقرب من الحوثيين، شركة” رويال بلاس” للخدمات الملاحية والتوكيلات التجارية، يملكها ماجد عبدالله أحسن دباش، بالشراكة مع محمد أحمد محمد الفقيه.،و شركة” الفقيه” للتجارة و الصناعة و الخدمات النفطية التي يمتلكها محمد أحمد الفقيه،شركة “برنس اويل” لاستيراد المشتقات النفطية،شركة “كنج اويل” لاستيراد المشتقات النفطية،وشركة “سام أويل” للتجارة و الخدمات النفطية، شركة” يمن كرود” للتجارة و الخدمات النفطية .شركة “يمن ايلاف” لاستيراد المشتقات النفطية ،وشركة” يمن يونفرسال” أويل للاستيراد ،وشركة”دغسان”.
يبين التقرير أن نشاط جُل تلك الشركات ينحصر في استيراد المشتقات النفطية، وبيعها في السوق السوداء، لتصنع بذلك أزمة وقود كبيرة في البلاد.

 

عكس العالم :

(خلفية تاريخية)

في ذروة تفشي أول موجة لفيروس كورونا العام الفائت شهدت فيه مختلف بلدان العالم انهيار تاريخي في أسعار النفط نتيجة التراكم الزائد لمخزون المشتقات النفطية، بسبب إجراءات الإغلاق الناتجة عن تداعيات تفشي الفيروس ، حينها اضطرت شركات إلى استئجار ناقلات نفط ضخمة لتخزين الخام الفائض لديها، وفي اليمن كان المشهد مختلف تماماً إذ افتعلت مليشيات الحوثي أزمة مفاجئة في البترول في صباح التاسع من يونيو/حزيران في العام الماضي، وأغلقت شركة النفط الخاضعة لسيطرة الحوثيين محطات بيع البترول في العاصمة صنعاء، دون سابق إنذار،وعادت طوابير السيارات إلى أمام تلك المحطات في عصر ذلك اليوم، الأمر الذي دفع شركة النفط الخاضعة لسيطرة الحوثيين تطبيق نظام الترقيم في محطات الوقود، ابتداء من العاشر من يونيو/حزيران من العام الفائت، لكن ذلك النظام أيضا لم يتم تطبيقه سوى أيام قلائل،وبعدها دشنت المليشيات الحوثية مهرجان الأسواق السوداء،وأصبح البترول يباع في كل حي من أحياء العاصمة صنعاء وعلى مرأى من الجميع.
فشلت شركة النفط الواقعة تحت سيطرة الحوثيين في تعبئة السيارات عبرتطبيق نظام الترقيم، وكان ذلك إيذاناً ببدء أزمة طويلة الأجل، وفتح المجال على مصراعية لتجار بيع المشتقات النفطية في السوق السوداء لممارسة نشاطهم الاستغلالي، ففي الثاني والعشرين من يونيو/حزيران من العام الفائت كان عدد من العمال في منطقة السنينة بصنعاء يقومون بنقل كميات من البترول تُـقدر بأربعة آلاف لتر، من خزانين كبيرين إلى عبوات مختلفة السعات والأحجام،حينها اندلع حريق هائل، لم يتمكن من كانوا بالقرب منه من إخماده، فهربوا جميعهم، واستمر الحريق في الاشتعال حتى وصل بشكل سريع إلى خارج أسوار حوش المنزل الذي كانت تتواجد فيه كميات البترول،وخرجت تلك الكميات لتصل إلى الشارع المقابل،والمنازل المجاورة،حينها وقع الحريق الذي لم تهدأ ألسنته إلا في ساعة متأخرة،وبعد جهود مضنية تم إطفاءه من قبل أهالي المنطقة وعربات الإطفاء.
أدى ذلك الحريق إلى وفاة 3 أشخاص، فيما قدر عدد المصابين الناجين من الموت حوالي 18 شخصاً، تنوعت إصاباتهم بين حروق واختناق، وإصابات متفرقة، وتضرر نحو 20 منزلاً بأضرار متفرقة وفقاً لإحصائيات رسمية وغير رسمية.
كانت تلك الحادثة كفيلة بتحريك الشارع الذي صب جام غضبة على تجار السوق السوداء،حينها أعلن الحوثيون عبر وسائل إعلامهم عن بدء حملة أمنية لملاحقة تجار السوق السوداء ومنعهم من بيع البترول في الأحياء السكنية، لكن ردة الفعل المسكنة مالبثت وأن استمرت مجرد أسبوع من الوقت، حتى عادت حركة السوق السوداء بشكل أكبر وتوسعت في شوارع وأحياء العاصمة صنعاء.
وفي أواخر يونيو من العام الفائت أيضاً، منعت المليشيات الحوثية، دخول ما يزيد عن ١٥٠ قاطرات مليئة بالبترول إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، قادمة من المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية الشرعية، بسبب أنها غير مطابقة، للمواصفات،ومغشوشة.كما زعم عمار الأضرعي مدير شركة النفط الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، خلال حديثة لوكالة “سبأ” النسخة الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
مضيفاً القول،بأن«هناك محاولات يائسة لإدخال تلك القاطرات التي يراد بها إغراق الأسواق ضمن أهداف ومخططات عدوانية وتآمرية تستهدف الشعب اليمني.»
وهو الأمر الذي نفته اللجنة الاقتصادية التابعة للحكومة الشرعية،والتي قالت في بيان نشر بصفحتها على موقع التواصل الاجتماعي”فيسبوك” ، بأن«الحوثيين يصرون على منع قاطرات تحمل كميات من البترول والديزل، من الدخول للمناطق الواقعة تحت سيطرتهم، و يهددون التجار ويرهبون العاملين على القاطرات،رغم أن كميات البترول تلك تم التأكد من سلامة مواصفاتها بموجب شهادات دولية،ورغم أن الحكومة المعترف بها دوليا بذلت جهوداً في تسهيل وصول البترول الذي يتم استيراده بشكل قانوني.»
وعززت قناة الساحات الفضائية المناصرة للحوثيين ،اتهامات اللجنة الإقتصادية التابعة للشرعية،إذ كشفت القناة “المموله من ايران  في أحد برامجها عن اختلاق الحوثيين لأزمة البترول، من خلال منع مندوبي شركة النفط في صنعاء مرور 260 قاطرة من منافذ الجوف، و100 قاطرة في عفار بالبيضاء، و50 في منفذ تعز، و50 في ميناء الحديدة.
وهي الفضيحة التي أطاحت بالناطق الرسمي الأسبق لشركة النفط،أمين الشباطي كبكش فداء لقيادات حوثية ،ودفعت الحوثيين في 20يوليو/تموز بتعيين عصام يحيى المتوكل،بديلاً عن الشباطي متحدثاً رسمياً لشركة النفط اليمنية الخاضعة لسيطرتهم.

 

أرباح حوثية ومعاناة انسانية :

تقول شركة النفط الواقعة تحت سيطرة الحوثيين أن «لديها خطة متكاملة وشاملة لإنهاء مظاهر السوق السوداء،ستكون كفيلة بإنهاء كل مظاهر تلك السوق.»، لكن ما يحدث اليوم هو عكس ذلك الكلام، إذ أن السوق السوداء أصبحت في توسع كبير، بسبب الأرباح المهولة التي تجنيها القيادات الحوثية من وراء تلك السوق، إذ تشير إحصائيات لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة أن «ميليشيا الحوثي تجني أموالاً طائلة من السوق السوداء، وأن الوقود أحد المصادر الرئيسية لإيرادات الحوثيين.»
موضحاً، بأن الميليشيا «تجني نحو مليار دولار سنويا من توزيع الوقود والنفط في السوق السوداء.»
اللجنة الاقتصادية التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً،اتهمت مليشيات الحوثي،بأنها تهدف من وراء اختلاق الأزمات في البترول الضغط على الأمم المتحدة من أجل الحصول على مآرب أخرى، منها رفع الحظر عن ميناء رأس عيسى، والضغط على الحكومة الشرعية والتحالف العربي لفتح مطار صنعاء.
وقالت اللجنة،أن «الحوثيون يصرون على المتاجرة السياسية بمعاناة المواطنين، وتعزيز السوق السوداء التي يديرونها،دون اكتراث لمعاناة المواطنين.»
في ضل أزمة البترول الحالية تُحكى المئات من قصص المعاناة التي يكابدها المواطنين، وللمعاناة جوانب وأشكال متعددة منها ماحكى لـ”المدونة اليمنية” المواطن صادق مفلح، إذ يشرح كيف توفت شقيقته الحاملة في أحشائها طفلها البكر، بسبب عدم تمكن زوجها العثور على سيارة ممونة بالبترول في قرية بمديرية بني العوام محافظة حجة، لغرض اسعافها لأقرب مرفق صحي في المنطقة، أو في العاصمة صنعاء، حيث كانت تحتاج للإستطباب حتى فارقت الحياة.
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق