أرشيفمقالات

ما يمكن استخلاصه من أحداث حجور

ما يمكن استخلاصه من أحداث حجور

المدونة اليمنية- خاص:

بشأن الحرب في حجور، فإن الأخبار الواردة في الأيام الماضية، كانت صادمة بالنسبة للمتعاطفين مع انتفاضة أهالي المنطقة ضد الحوثيين.
لكن، وبغض النظر عن التطورات الميدانية، هناك ملاحظتان تستحقان التوقف:
الأولى تتمثل في كيف أن الحوثيين انصرفوا إلى تنفيذ هجومهم بأقل قدر من الضجيج. لم تحظ المعركة هناك بعناية واسعة من وسائل إعلامهم، بل تعاملت معها كما لو أنها حدث جانبي ومعركة صغيرة على هامش الحرب.
في حين أن الأطراف الأخرى المدعومة من تحالف السعودية، راحت تعلق على أحداث حجور بشكل مكثف وصاخب، وتحتل الأحداث هناك الصدارة في نشرات أخبار وسائل إعلامها، كما لو كانت المعركة هناك هي أم المعارك، وعلى أساسها يتحدد مصير الحرب!
ما الذي يمكن للمراقب أن يستخلصه من هدوء الحوثيين في مقابل صخب الأطراف الأخرى؟ هل يجوز تأويل الفارق في التعاطي مع الحدث، على أنه انعكاس للفارق في القوة المعنوية بين الطرفين؟ لماذا لا يكون الضجيج علامة ضعف وارتباك وتعويض عن الفعل باللغط الفارغ؟
لا يمكن القول إن المعركة في حجور انتهت تماماً بالتطورات الأخيرة في “العبيسة”، والتي رجحت كفة الحوثي. غير أن واقع تجزئة الحرب بحيث يتم تركيز الضوء كل مرة على جبهة واحدة، وإسدال الستار على باقي الجبهات؛ هذا الواقع قد يدلنا على أن حرب التحالف بقيادة السعودية، لن تأخذ من الحوثيين أكثر مما استطاعت أخذه حتى الآن. فهل ينم هذا عن عجز عسكري وسياسي، أم أنه ينم عن أشياء أخرى، كما يقول المولعون بفرضيات المؤامرة والمخططات الشريرة لقوى خفية ممسكة بزمام الحوادث ونتائجها؟
الأرجح أن هناك سياقاً عاماً، مركباً، شديد التعقيد، يتكون من العجز والفشل وسوء التقدير والألاعيب الماكرة الصغيرة، وهناك خطأ جوهري عميق يعتور سياسة الحرب منذ البداية.
لقد أطلق الحوثيون النفير، وحشدوا قوة هائلة لإخماد البؤرة، لكي لا يتحول التمرد إلى نموذج ناقل للعدوى في المحيط القبلي الشمالي.
الملاحظة الثانية، هي التأطير الإعلامي للحدث بالقول إنها حرب تدور بين “قوات الحوثيين من جهة وقبائل حجور من جهة أخرى”. الأمر الذي يوحي كما لو أن حجور هي بالفعل تنظيم يتصف بمقومات الكيان السياسي والعسكري، وله ملامح وحدود واضحة، وله قيادة موحدة وفكرة عليا مشتركة يتمحور حولها!
فهل هذا هو الواقع؟
فلنفترض جدلاً أن ثمة اعتبارات سياسية وواقعية حكيمة تقف وراء تعريف الحرب بهذه الطريقة، ومنها الإيحاء بأن الحركة الحوثية جسم خارجي دخيل وغريب بالنسبة إلى المناطق والجهات والنطاقات القبلية التي يتمدد نفوذها إليها، وبالذات المناطق والجهات والنطاقات الواقعة خارج ما تسمى “الجغرافيا الزيدية”، وهذا الإيحاء يسهم في تحفيز ومراكمة أكبر قدر من مشاعر الرفض والانتقام داخل كل نطاق جزئي ورابطة وانتماء، لأن تغلب الحوثي أو انكساره يصبحان، في هذه الحالة، شأناً خاصاً يمس هذه الذوات والروابط الأهلية دون الوطنية، كل واحدة منها على حدة. لكن هذا هدف غائم وغير مضمون النتائج، وهو يأتي غالباً على حساب إمكانية استنهاض الحس الوطني الكلي كأساس للعمل والتفكير.
ثم إن تأطيراً كهذا يعني، من بين ما يعنيه، الاعتراف بعدم وجود “الشرعية الدستورية” كقضية تنتظم جبهات القتال ضد من يفترض أنهم “المتمردون الحوثيون”. إذ لو كانت الشرعية موجودة، لاتخذت الانتفاضة المسلحة في حجور، الصفة التي من الواجب أن تتخذها في سائر الجبهات الأخرى: قوات الشرعية في مواجهة مليشيا الانقلابيين، أو الجمهوريين في مواجهة الاماميين… الخ.
لا شك أن الأحداث بدأت بحالة من الرفض والعصيان لسلطة الحوثيين الانقلابية، قادها أهالي “العبيسة” والمناطق المجاورة، غير أن القضية ما لبثت أن تفاقمت، وأخذت تتفاعل على الفور مع الحرب الرئيسية في اليمن، حيث سارع التحالف بقيادة السعودية إلى مؤازة الأهالي عسكرياً وسياسياً وإعلامياً.
فعندما تستمر وسائل الإعلام في تصوير ما يحدث على أنه حرب تخوضها حجور بمفردها ضد الحوثيين، فإن سؤالاً جوهرياً يتبادر إلى الذهن، عن ماهية حجور هذه التي يحاول الإعلام إظهارها كما لو أنها تتصرف في مواجهة الحوثي كهيئة سياسية ووحدة عسكرية متناغمة داخلياً.. ثم، ما الذي يضمن أن حجور هذه قادرة، إلى النهاية، على الاضطلاع بهذا الدور البطولي والملحمي الذي يسنده إليها الإعلام؟ إذا تمكن الحوثي من السيطرة على الموقف هناك لصالحه، كما حصل في دمت، قبل أشهر، فإن ذلك سيكون بمثابة نقطة جديدة تضاف إلى رصيده المتراكم من المهابة والتوحش وقوة الشوكة.
إن استمرار هذا التأطير للحرب يعطي فكرة مجافية للواقع إلى حد ما. لا وجود لحجور بالمعنى الذي يجري تداولها به هذه الأيام. هناك جغرافيا يقطن فيها تجمع قبلي عريق يدعى حجور، حيث يتصف أفراد المنطقة بالشجاعة وقوة البأس. هذا صحيح، ولا شك فيه. لكن هذه الجغرافيا وهذا التجمع القبلي لا يشكلان وحدة سياسية، فضلاً عن أن يكونا وحدة عسكرية منظمة ومتلاحمة. فالانتماء القبلي الواحد لا يعني دائماً وحدة الانتماء السياسي، ولا وحدة المصالح والاتجاهات والأهواء.
ثم إن هذا التأطير لم يكن يخدم سوى الحوثي، ذلك أن جماعته تتحرك بإمكانات وتكتيكات تنظيم شبه دولتي، في مواجهة حالة تمرد قبلية لا بد أنها لاتزال تفتقر للتنظيم الجيد والقيادة الموحدة والإسناد والهدف. ناهيك عما ينطوي عليه هذا النوع من التعريفات والصيغ من معانٍ تصب في اتجاه عملية التجزئة الشاملة للبلد، كنتيجة لحرب تخاض من البداية بعناوين مناطقية وجهوية ومذهبية.
في إعلام الحوثي، كانت تتم الإشارة إلى الأحداث بصيغة تتجنب أي ذكر لحجور كطرف أو حتى كنطاق للعمليات. فهو حيناً يتحدث عن تحرك حكومته لضبط عصابات وقطاع طرق، لا يقول من هم، ولا من يمثلون، وحيناً يتحدث عن أنها حرب مع العملاء ومرتزقة العدوان، وهذا التعريف هو الإطار العام الرسمي في تغطية إعلام الحوثيين للحرب في مختلف الجبهات.
ينزع الحوثي إلى تصوير الحرب معه على أنها حرب على اليمن، ومظلوميته يقدمها على أنها مظلومية اليمن. في حين أن الأطراف الأخرى تنزع إلى مخاطبة وتحريك التضامنات والهويات الصغرى، الواحدة بعد الأخرى.
لماذا لا تلعب الأطراف المدعومة من التحالف بقيادة السعودية، هذه اللعبة، كما يجدر به أن يفعل؟ فالحرب في تعز هي حرب تعز كتعز، وليست حرباً في تعز، ولا هي حرب باسم اليمن في تعز، وفي عدن هي حرب العدنيين كعدنيين، أو حرب للجنوبيين، وفي تهامة حرب التهاميين.. وهكذا حجور! فالهزيمة في تعز إن كانت هزيمة، فهي هزيمة خاصة بتعز، والانتصار هو انتصار لتعز، وليس للشرعية كقضية، ولا لحركة مقاومة وطنية، وفي حجور تنتصر حجور أو تنهزم حجور. وليست مقاومة حجور ولا الشرعية في حجور هما من ينتصران أو ينهزمان.
هل هذا النهج جيد؟
الدعاية الرسمية للحوثيين تحرص على استخدام الإطار الوطني، وفقاً لمفهومهم الخاص للوطن، رغم أنهم في الواقع ينطلقون من عصبيات وحساسيات مناطقية وعرقية ومذهبية. بينما تفضل الأطراف الحليفة للسعودية منهجاً تفكيكياً يقوم على تعبئة واستثارة وعسكرة العصبيات الجزئية، ورفعها كعناوين للصراع مع الحوثي، على حساب العنوان الوطني الجامع، وبديلاً عنه أحياناً.
هذه الطريقة في تناول أحداث حجور، استنساخ متأخر لنموذج تعز الأقدم عهداً. قد يكون لهذا النهج مزاياه الفورية، لكن مخاطره هي الأكبر. إذ إنه، ومثلما يجعل هذه العصبيات والتجمعات الجزئية مكشوفة بلا قضية ولا هدف عام، فإنه يظهر حركتها كتعبير فوضوي عن نزعة محلية معزولة ومجردة من القوة المعنوية السامية التي يمكن الحصول عليها من التأطير الوطني للثورات والحركات التحررية، في الوقت الذي يقف فيه الحوثي منظماً ومتسلحاً بدعاوى وتبريرات وطنية عمومية.
ما الضير في أن يقال بأن ما يجري في حجور هو جبهة جديدة اشتعلت إما باسم الشرعية أو باسم الدفاع عن الجمهورية في مواجهة الإمامة والكهنوت؟ فإن أحرزت نصراً، فهو لليمن كل اليمن، في المشهد الإجمالي للصراع، وإن انكسرت الحركة، فلن تكون حجور هي التي انكسرت، بل سيقال إن المشروع الوطني الجمهوري هو الذي خسر معركة في مسار طويل من النضال.
ثم ما هو الشيء المغري من تصعيد العصبيات والروابط الجزئية لتغدو هي العناوين للصراع، بدلاً من تكوين ارتباطات وأطر سياسية عقلانية وطنية تسمو على أواصر النسب والدم والقرابة المكانية؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق