أرشيفمقالات وتحليلات

ملازم الحوثي .. قراءة لما بين السطور

المدونة اليمنية – محمد عزان :

المقدمة
🔸 تُمثل فكرة «العَلَم» و«الولاية» الركيزتين الأساسيتين لحركة «أنصار الحوثي»، وعليهما يقوم تديُّنهم، وفي ضوئهما يتجه نشاطهم السياسي، وهما يمثلان القُطب الذي تدور حوله ملازم الحوثي.
✍ منذ سنتين كتبت عن هذا الموضوع سلسلة مقالات مطولة، وتشعب بعضها حتى صار في حجم كتاب، وكنت أنتظر توقف الحرب لنشرها، كي يتم تداولها في وضع طبيعي تكون فيه النفوس أكثر هدوءاً.
وإلى حين تتوقف الحرب سأكتفي بنشر حلقات خفيفة مُركّزة، لعلها تُسهم في توضيح الرؤية، وترفع عن نطاقنا الجغرافي وفضائنا الثقافي والمجتمعي – في شمال الشمال – تبعات سلوك وأفكار الحركة ومشروعها الخاص.
وسأبدأ بخمس حلقات، أنشر منها واحدة كل يومين أو ثلاثة، وهي:
❶ ما هو «العَلَم» والعلميّة لدى الحوثي؟ وكيف قدّمها لأتباعه؟
❷ أثر الفكرة في وعي الجماعة وانعكاسها في سلوكهم.
❸ صلة الفكرة بالزيدية كمذهب، وبالمنطقة كمجتمع وتاريخ.
❹ مناقشة الفكرة في أبعادها الثلاثة: الديني، السياسي، العاطفي.
❺ التعقيب على الردود والاستفسارات وتضمين المُداخلات.
📌 سأحرص على أن تكون الحلقات موضوعية مختصرة قابلة للنقاش والمراجعة والتصويب؛ لأن الهدف منها التصحيح والتوعية وليس مجرد التشنيع والإثارة.. على أنني أدرك أن الموضوعية لن ترضي المتعصبين، لا من هؤلاء ولا من أولئك، وأعرف أن «الدَّحْس» – من مختلف الأطراف – قَدَرُنا!

🔼 «العَلَم» عند الحوثي.. من هو وما دوره؟🔼
✍ الأعلام – حسب كلام الحوثي – هم أشخاص معينون بأمر السماء ليكونوا قدوة المجتمع وحاملي راية الهداية فيه، لذلك يجب أن يلتف الناس حولهم، ولا يأخذوا العلم والهداية إلا عنهم، ولا يلتفتوا إلى أحد سواهم مهما بلغ من العلم والمكانة. وهم نوعان:
❶ الأنبياء الذين يُعينهم الله لحمل رسالاته. وهذا من المسلمات في الملل الدينية، وإنما ذكرها ليهيئ بها عقول المتلقين حتى يَعبُر إلى النوع الثاني الذي هو مقصده، وهو محل الإشكال هنا.
❷ أعلامٌ يُعيّنهم النبي لهداية الأمة وقيادتها، وليس لأحد أن يختار أعلاماً لنفسه يقتدي بهم، فالمسألة في نظره محسومة من قبل السماء، وليست مفتوحة[1].
صحيح أن الحوثي لم يأت بجديد في عموم هذه الفكرة، وأن كثيراً من الاتجاهات الدينية وحركات الدين السياسي قد سبقته إلى مثلها بطريقة أو بأخرى، ولكن الفرق الذي تميز به: أنه جعل العَلَمية أمراً حتمياً من السماء، ولا تستقيم الحياة ولا ينفع العقل والقرآن بغيرها، ثم حصرها – على أساس عنصري – في أسرة معينة، كما سيأتي.
🔸 وتختلف «العَلَمية» هنا عن «الإمامة الهادوية» بأنها لا تقتصر على الاختصاص بالقيادة السياسية والعسكرية؛ بل تمتد إلى احتكار الهداية الدينية والقدرة على فهم النص، والتّفرد بإمكانية الانتصار على الأعداء[2]. وبالتالي ليس الشخص بحاجة إلى أن يكون إماما حتى يصبح عَلَماً؛ بل على الإمام أن يصبح عَلَماً لكي يكون إماماً! وبهذا أراد أن يلتف على شروط الإمامة عند «الهادوية»، خصوصاً تلك المتعلقة بما يصفونه بالكمال العِلمي، الذي لا يتمتع به هو ولا من يتوقع أن يخلفه[3].
🔸 ويرى الحوثي أنه لا يمكن أن يعرف أحد طريق الهداية إلا بتلك الأعلام، مهما كان عقلُه وذكاؤه ومعرفته. ومِنْ أخطر ما في هذا أنه يؤكد في كثير من ملازمه أن جميع الأنبياء وسائر كتب السماء لا فائدة منها إلا من خلال «العَلم» الذي يقدمها للناس، فهو وحده المخوّل بذلك، وإلا فستكون الأمور فوضى، فهداية القرآن وغير القرآن لا بد أن تمر عبر «العَلَم»، وإلا فهي ضلالة وعمى[4].
وهنا يُسَطّح المسألة لتجد طريقها إلى عقول البسطاء وعوام الناس والمثقفين، فيحتج بأن المفسرين للقرآن أولوا القرآن بطريقة غير صحيحة، وعلماء الدين اختلفوا في الدين، ورواة الحديث قدموا أحاديث غير صحيح، وما ذلك – في نظره – إلا لأنهم تركوا «الأعلام»، أو اتخذوا لأنفسهم أعلاماً آخرين.
📌 بهذه الفكرة – التي ضخها الحوثي بمرطبات دينية – أراد الأخ أن يشكل جمهوراً من الأتباع المقلدين الذين لا يُجيدون سوى التّفنن في الطاعة العمياء، ليتحولوا إلى جيش يفرض واقعاً معيناً على الحياة، حتى إنه كان يشكو من معارضتنا له ويعبر عنا في ملازمه بـ(فلان وفلان)، ويطلب ممن يناقشه من أصحابنا أو يعترض عليه أن يخرجوا من البلاد ويهاجروا ويتركوه يُقولب الناس كما يريد[5].
وهو ما تحقق له بالفعل، نتيجة جهل الناس، وغياب مؤسسات الدولة؛ واستهدافها (لما كان يُعرف بالشباب المؤمن، الخط المنافس يومها والرافض لما كان يطرح الحوثي)، بحجة أنهم من نفس الخلفية الدينية وفي نفس السياق التاريخي العام!
✍ ما تقدم كان عرضاً للفكرة مع توثيقها في الهامش، ومجرد العرض كاف عند كثير من العقلاء في الرد عليها؛ لأن أقل ما تعنيه أنه: لا عقل الإنسان، ولا وحي السماء، يمكن أن يقوده إلى الهداية، إلا بمقدار ما يوصله إلى معرفة العَلَم. وكذلك لا شيء من كثرة الدراسة والقراءة والبحث والتأمل يمكن أن يمنحه البَصيرة، وإنما عليه فقط أن يبحث عن «العَلَم»، ويُسلّم «للعلم»، ويطيع «العلم»، ويستغني – باتباع «العَلَم» – عن النّظر والنقاش وإعْمال المنطق وأصول الفقه ومناهج التفكير وأساليب ضبط الأخبار وتصحيح الروايات ومختلف أوجه المعرفة.
غير أنه لا يزال هنالك – للأسف – من يرى أنها فكرة صحيحة ديناً قياساً على عَلَميّة الأنبياء، وعملا لكونها توحّد مرجعية الناس وتحميهم من التّفرق، والله لا يرضى لهم ذلك، لذلك سنكشف عوار فكرة العلمية بالآتي:
❶ العلمية نوع من أنواع الصّنمية، التي جاء الإسلام ليقضي عليها، فحتى النبي أمره الله أن يُقدم نفسه كمبلغ فقط، ويتبرأ من صنمية العَلَمية بالمفهوم الذي قدمه الحوثي: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ.. فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}.. فتبرأ من خصوصية التَّمثل للحق، وأكد أنما هو مبلّغ، وأحال الناس إلى العمل.
❷ فكرة العَلَمية، تتعارض مع طبيعة الخلق والتكوين، فالله هو الذي {أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا.. وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فجعل تلك الأدوات وسيلة الإنسان في التعامل مع ما كُلف به إلى حيث انتهت به. ولم يكلف الإنسان بالانقياد المطلق حتى للأنبياء، فكيف بأعلام وهمية!
❸ يَفترض الحوثي أنه يجب أن يكون الناس على رأي وفكرة واحدة، ويجب أن تكون تلك الفكرة فكرته هو؛ لأن ما عداها خطأ في نظره، كما هو رأيه في كثير من الصحابة والتابعين وأئمة العلم، حتى إنه وصف بعض علماء الزيدية – الذين لم يكونوا على مزاجه – بالمنحطين[6]. وبهذا يكون قد زاد من فُرقة الأمة واختلافها؛ بل لقد أدخل مجتمعنا الصغير في صراع وتشرذم وعداوات لا تنتهي، كما هو حاصل اليوم ببركات نظريته هذه.
❹ تحدث عن أن النبي فقط هو من يُعين الأعلام، وليست المسألة مفتوحة، وفي نفس الوقت اكتفى بمجرد الدعاوى وتوزيع الأعلام هو، فهذا في نظره علم هداية وذاك علم ضلالة، ولم يورد شيئاً عن النبي يدل على علمية نَفسه التي يقدمها للمجتمع على هذا الأساس، ولا حتى على من سبقوه ممن يرى أنهم أعلام، واكتفى بما ورد في عموم أهل البيت، وهو ما سنناقشه باستفاضة لاحقاً.
❺ استغل الأخ حسين الحوثي الخطاب الديني لتحقيق غرض سياسي، وهو تكوين جماعة لا واعية تتميز بالطاعة المطلقة للقائد، ليتمكن من الضرب بها أينما يريد، حتى إنها دون مبالاة قد تفعل ما يستنكره العقل وتستقبحه الفطرة وينص الدين على حُرمته، ما دام العَلَم قد جوزه أو سكت عنه. أما إذا أمرهم أن يقتلوا أنفسهم وأبناءهم وآباءهم فأمره لا يرد؛ لأنه عَلَم يعْلَم ما لا نعلم!
❻ هو يدعي أنه من الزيدية، وهذه المسألة لا أساس لها عند الزيدية، فالزيدية لا يستخدمون هذا المصطلح، وهم مُطبقون على أن العَالِم والإمام مهما بلغا من العلم ليسا بحجة على أحد، ولا يتعين على أحد اتباعهما، حتى قال الإمام زيد: «والله ما ادعى أحد منَّا أن فينا إماماً مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين»[7].
وفي العلوم والمعارف يرون أنه يجب على كل قادر أن يجتهد في أصول الفقه وفروعه، والنظر في مسائل العقيدة على قدر علمه، حتى إن أول جملة في كتاب «متن الأزهار» تنص على أن: «التقليد في المسائل الفرعية العملية جائز لغير المجتهد» فقط.
الهوامش:
[1] قال الحوثي: «لا بد للأمة من أعلام تلتف حولها». «المسألة تأتي من قبل الله إلى رسوله، ثم من قِبَل رسوله، هو الذي يحدد للناس مَن هم الأعلام الذين يتمسك الناس بهديهم». «لنرتبط بهم فمن خلالهم نهتدي وعلى أيديهم نهتدي، لأن المسألة ليست مسألة مفتوحة».
• الشيء الثاني مما يمكن أن نستفيده من هذه الآية {وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، هو أن الأمة تحتاج إلى أعلام ترتبط بهم –هؤلاء الأعلام- هدايتها في دينها ودنياها، ولا بد أن يكون الله سبحانه وتعالى هو من يحدد، هو من يبين لنا من هم الأعلام من بعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، لنرتبط بهم، فمن خلالهم نهتدي، وعلى أيديهم نهتدي، لأن المسألة ليست مسألة مفتوحة، بل إذا لم يضع هو سبحانه وتعالى الآخرون سيضعون، بل وضعوا على الرغم من أنه قد وضع، سيضع أهل الباطل أعلاماً لأن الباطل يحتاج إلى أعلام، هل تعرفون هذا؟ عندما تقارن بين أساليب الحق والباطل في هذا تجد الأساليب ــ من حيث هي ــ تجد الأساليب تقريباً واحدة، الباطل يحتاج إلى أعلام فلهذا يحتاج أهل الباطل إلى أن يركزوا أمامك شخصيات أو مجاميع من الشخصيات فيكبروها وينمقوها، وينفضوا التراب عن خدودها لتبدو أمامك براقة لتنفق بضاعتهم فينفق الباطل فينفق الضلال من خلالهم.
• أنت تقول : فلان عالم، الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}. هذا يبين أن المسألة حتى غير متروكة لك فتتأثر بهذا أو بهذا دون مقاييس إلهية، وأنت تتولى الأعلام الذين اختارهم الله وعينهم وحددهم، تتولاهم فتسلم من أن تكون عرضة لزيف الولاءات وصنع أعلام هي في الواقع تضر القضية التي أنت تتولاه من أجلها، تضر بالقضية نفسها التي أنت تتولاه من أجلها، أما هنا فالتولي صحيح حيث تكون الولاية للأعلام الذين رسمهم الله للأمة ونصبهم للأمة، فإن الولاية تعطي ثمرتها، ألم يقل هنا { فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، طالبان ماذا عملوا؟ ألم ينسحبوا من المدن ويتبخروا؟ ولم ندر أين ذهبوا؟ هل غلبُوا أم غُلبُوا؟ لقد غُلبُوا أو تَغَالبوا لأن القضية هي كلها خداع ووهم، كلها تزييف وتضليل، حتى لا يبقى للآخرين منفذ لأن يضعوا هنا أو هنا من جانبهم شخصاً آخر وهمياً عالماً من أعلام الباطل (؟؟؟)، لأن الآخرين (شغالين)، حتى وإن كان الله قد وضع أعلاماً فهم يحاولون أن ينصبوا، ألم يختر علياً عليه السلام علماً للأمة، فنصبوا لنا آخرين؟ ألم يختر الزهراء لتكون علماً بالنسبة للنساء وقدوة للنساء، وجعلها سيدة نساء العالمين، فنصبوا أخرى؟ هكذا يعمل بدو أهل الضلال، دع عنك الخبثاء والمحنكين والدهاة منهم. إذن، فالمسألة مهمة.
• «في مقام أعلام الدين هي قضية تأتي من قِبَل الله سبحانه وتعالى، أنه يبدأ يصطفي من داخل ملائكته رسلا {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا} ليقوم بالمهمة إلى من؟ إلى البشر، ثم يصطفي من البشر رسلا {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ}، إذن، فهو الذي يحدد لنا من هم الأعلام الذين نتولاهم ونسير على هديهم ونتمسك بهم؛ لأن القضية دقيقة جداً، ومحكومة جداً، ومنظومة جداً، وهدي واحد، إذا مِلت إلى هنا أو إلى هنا ستقع في ضلال، وليست القضية متروكة لك كما تدخل السوق فتسمع هذا يُرَوِّج وهذا يُرَوِّج، وهذا يتلطف لك، وذلك نقص لك ريالين فتتجه إليه، أو نَمَّق بضاعته وجعلها بادية أمامك أكثر فتتجه إليه، بل المسألة تأتي من قبل الله سبحانه وتعالى إلى رسوله، ثم من قِبَل رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، هو الذي يحدد للناس من هم الأعلام الذين يتمسك الناس بهديهم وإلى توليهم وإن كان بينهم آلاف السنين؛ لأنه أليس هدي الله للحياة كلها».
• ذلك العَلَم الذي وضعه الله لك هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنت بحاجة إليه وإن كان بينك وبينه ثلاثة آلاف سنة، ثم العَلَم الذي وضعه الرسول للأمة من بعده أنت بحاجة إليه وإن كان بينك وبينه ألف وأربعمائة سنة، وهذا العلم الذي وضعه الرسول هو بداية نقطة الافتراق، بداية مفترق الطرق، الموقع المهم هناك؛ لأنه متى ما بدأت فَلْتَتُك من مفترق الطرق فستبقى فلتتك إلى آخر الحياة وآخر عمر الدنيا، من هناك مفترق الطرق، هناك علي عليه السلام، وعلي عليه السلام يمثل طريقاً في الهدي، الميل عنه يميناً أو شمالا يشكل خطورة بالغة هي نفسها التي تراها ماثلة آثارها أمامك في هذا العصر، وعندما تعود إلى كتب التاريخ ستراها ماثلة أمامك في كل عصر.
[2] قال: “أمريكا وإسرائيل يعرفون أن أخطر الأمة عليهم هم آل محمد، وشيعتهم، وأنه لم ينتصر عليهم إلا آل محمد وشيعتهم… ولن تنتصر الأمة إلا تحت قيادة أبناء محمد وعلي بن أبي طالب صلوات الله عليهم”. وأضاف: “فالشيعة وخاصة الزيدية هم فعلا من يكونون جديرين بأن يكونوا هم حزب الله الغالبون”.
[3] «بل تأثرت الزيدية نفسها عندما غابت عن المعايير التي وضعها الإمام الهادي عليه السلام باعتبارها معايير إلهية في بداية كتاب (الأحكام)، فظهر لنا أئمة حتى داخل الزيدية ليسوا جديرين بأن يحكموا الأمة، وصدروا في تاريخنا كأئمة من أهل البيت وليسوا كاملين ولا مؤهلين، فعلا، وهم لا زالوا ولا يزال كثيرون في سلسلة أئمة الزيدية في كتبنا، لأنهم جاؤوا في ما بعد، فجعلوا المقاييس مغلوطة للكمال هذا نفسه، مثل أن يكون عالماً، ويعني ذلك أن يكون مجتهداً، ومعنى أن يكون مجتهداً أن يكون قد قرأ كذا كذا كذا إلخ».
[4] قال الحوثي: «لا يمكن أن تهتدي الأمة إلا على أيدي أعلام حتى تصبح في مستوى أن تكون حزب الله، أو أي مجموعة أخرى». «الأمة تحتاج إلى من يهديها بالقرآن.. تحتاج إلى من يفهم آياته، فعندما رأت نفسها مستغنية.. ما الذي حصل؟ هل اهتدت فعلا بالقرآن؟ لا.. بل ضلت ولم تهتد بالقرآن». «إذا قلنا: لسنا بحاجة إلى أعلام، فنحن نرى ما هو قائم نحن مختلفون فيه، فنحن رأينا أنفسنا ضعنا، وتهنا، ولم نهتد حتى والقرآن قائم بين أيدينا!». «معنى هذا أنه ما حصل لنا مخرج، والمخرج لا يتحقق إلا بمجموع الأمرين: كتاب وأعلام».
• «فإذا لم يكن هناك علَم هو الذي يتحكم في المسجد، هو الذي يوجه كيف يكون المسجد، فسيكون المسجد منبر ضلال وإضلال، منبراً يدجن الأمة للظالم، بل يدجن الأمة لليهود حقيقة، منبر المسجد نفسه، يجعل الحج نفسه باطلا، يجعل كل شيء مما هي أساساً أشياء وضعت ليهتدي بها الناس، وإيجابياتها في جانب الهدى، في جانب الحق، تتحول هي كلها إلى ماذا؟ إلى وسائل إضلال، إلى وسائل لترسيخ الظلم والطغيان».
[5] قال الحوثي: «إذا أحد منكم يريد وفيه نخيط إنه يريد يطلع مجتهد – كما يقولون – فيهاجر، تمام؟ ويأتي إن شاء الله بعد عشر سنين، ويجلس مع طالب ينطلق انطلاقة قرآنية وسيرى [أنه] في ليلة واحدة يمكن أن ينسف أصول الفقه حق العشر سنين التي قرأها، وسيعرف بعدين أنه ضيع تلك الفترة كلها في جهل، في جهالات، في ضلالات متراكمة». «أنا أنصح أي شخص عنده ميول لأصول الفقه، وأشياء من هذه، أن يهاجر ويترك المراكز تقوم على اتجاه واحد، أصلح له، وأصلح للناس. أليس هذا أفضل؟ لا يجوز له أن يبقي مركز معين محل اختلاف، وقلق، أي مركز كان، أنا لا أعرِّفه، لا أقول هذا المركز يحصل فيه من هذا، لكن أعرف مناطق حصل فيها من هذا القبيل. يا أخي أنت غادر، سير هاجر حتى عند (فلان) الذي يشجعك، ومع السلامة، اطلع، إن شاء الله في الأخير نراك عبقري، تجتهد، تجتهد، تجتهد لما ترجع تقول لضابط: وجِّهنا واحنا بعدك. أليس هذا اجتهاد مَنْزَل، واترك الناس ينشئوا أمة واحدة، وربما في المستقبل ما ينفعك إلا هؤلاء الذين أنت تريد أنك تتفرق أنت وإياهم، وتفرق كلمتهم، ويطلعوا قلقين، وتحاول تكسب لك أنصار منهم، يكونون هم على رأيك، وعلى أفكارك، ويطلعوا.. اتركهم ينشؤون على اتجاه واحد، ربما في المستقبل ما ينفعك أنت واجتهاداتك إلا هؤلاء».
[ 6] «عند متأخري الزيدية عندما امتدت إليهم هَبَّة من الروائح الكريهة من جانب شيعة هؤلاء، فدخل المعتزلة ودخل السنيّة، وأصبحوا متأثرين بهم، فكانوا أعلاماً منحطين، وكان صراع في ما بينهم، لم يكن يحصل مثله بين أئمة أهل البيت (عليهم السلام) السابقين، فتدنسوا هم بسبب ما وصل إليهم؛ ولأنهم لم يكونوا كاملين، لم يحصلوا على الكمال، أو بعضهم لم يحصلوا على الكمال؛ لأن ثقافته كانت معتزلية أو ثقافته كانت سنية، ولا يمكن أن يبلغ رجل درجة كمال بحيث يمكن أن يلي أمر الأمة، وهو على هذا النحو؛ لأنه هو أصبح متأثراً بالآخرين، أصبح متأثراً بما هَبّ من جانب أبي بكر وعمر وشيعتهم».
[7] يقصد بالتعيين الإلهي والنص النبوي. والرواية في تفسير (فرات الكوفي 475). وهي طويلة، وقوله: “والله ما ادعى أحد منَّا – لا من ولد الحسن ولا من ولد الحسين – أن فينا إماماً مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين، فواللّه ما ادعاها أبي علي بن الحسين في طول ما صحبته حتى قبضه اللّه إليه، وما ادعاها محمد بن علي في ما صحبته من الدنيا حتى قبضه اللّه إليه، فما ادعاها ابن أخي من بعده.
ثم قال: فالإمام منا المفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين: الخارج بسيفه الداعي إلى كتاب اللّه وسنة نبيه الظاهر على ذلك الجارية أحكامه، فأما أن يكون إمام مفترض الطاعة علينا وعلى جميع المسلمين متكئ فرشه مرجئ على حجته، مغلق عنه أبوابه تجري عليه أحكام الظلمة، فإنا لانعرف هذا”! فبين أن القدوة بالعمل وليس بالتعيين.

🔼مِن «الأعْلَام».. إلى «ولاية الأعْلام»🔼
🔸 بعد أن أكد وجوب اتباعهم وأنه لا يستقيم دين ولا دنيا إلا بوجودهم، ولا ينفع عقل ولا وحي إلا بهم، ذكر الأخ حسين الحوثي أن الأعلام لا يكونون إلا من «أهل البيت» فقط، وغيرهم لا يصلح للعَلَمية وإن تحققت فيه الصفة القرآنية للقدوة، كالرُّشد والقُدرة والكمال المعرفي والاستقامة والسبق بالخيرات.
وهنا يأتي دور «الولاية» التي شدد على أنها غير متروكة دون مقاييس إلهية، وأنها لا تكون إلا للأعلام من أهل البيت الذين نَصَّبهم الله للأمة[1]، ولا تكون إلا لواحد فقط، ويكون منهم فقط؛ لأنها – في نظره – ولاية لله التي توجب الاقتداء والطاعة[2].
وحول هذه المسألة يتمحور أكثر من 80% من ملازمه، ونحوها يتحرك نُشَاط أتباعه ودُعاتهم إلى اليوم، حتى إن ما يمارسون من عمل عسكري ونشاط سياسي وإعلامي، إنما يتحرك في إطار فكرة «الجهاد لتحقيق الولاية»، وتطبيقها، ليس على أتباعهم فقط؛ بل على العالم كله! ومن يستمع لمحاضراتهم وخطبهم، ويحضر ندواتهم ومهرجاناتهم، ويشاهد ملصقاتهم، وبرامجهم الإعلامية، يجد هذه الصورة واضحة بجلاء.
🔸 وقبل الرد على هذه الدعاوى العريضة أود أن ألفت إلى أمرين اثنين:
❶ أن هذه المسألة مسألة سياسية، برزت أيام الصراع الأموي الهاشمي في القرنين الأول والثاني الهجري، وقُدّمت في قوالب دينية، وشُحنت بها العصبيات، وفي ضوئها تم إنتاج قصص وروايات دينية أخرجتها عن إطارها السياسي، وحشرتها في الإطار الديني، حتى صارت لدى كثير من الدارسين في المجال الديني من مسائل العَقَدية الفاصلة بين الحق والباطل، والنجاة والهلاك، وأولياء الله وأعداء الله!
وعلى هذه النّغمة اشتغل الحوثي بالأمس، ويشتغل أنصاره اليوم، مستعينين بالموروث التاريخي المتداول كمسلمات دينية لا تُمَسّ، خصوصاً بعد فصلها عن سياقاتها الموضوعية التي كانت تصوّب مسارها وتوضح دلالتها.. كما سُخّرت لها آيات القرآن بالتأويل القسري، وكأن القرآن ما نزل إلا ليرسخ ثقافة: «أنا خير منه»، و«نحن أبناء الله وأحباؤه».
❷ أننا نشعر بأن إصرار أنصار الحوثي على تسويق هذه الرؤية، وفرضها على حياة اليمنيين يُحَتّم علينا أن نناقشها بوضوح مهما كانت التّبعات، خصوصاً بعد أن صار لديهم جيش من المرشدين في أوساط العامة يروّجون لفكرة «العَلَم والولاية»، وباتوا يمتلكون قوة إعلامية ومالية هائلة، قد يستطيعون من خلالها مسخ جيل بأكمله، كما مسخ «الخمينيون» جزءاً كبيراً من شعب إيران الذي كان منارة للتقدم والرُّقي في منطقة الشرق الأوسط، حتى بات كثير منهم للأسف لا يجيدون سوى جَلْد أنفسهم في الشوارع، ولطم خدودهم كالمجانين.

الهوامش:

[1] من ذلك قول الحوثي: «المسألة غير متروكة لك فتتأثر بهذا أو بهذا دون مقاييس إلهية، وأنت تتولى الأعلام الذين اختارهم الله وعينهم وحددهم، تتولاهم فتسلم من أن تكون عرضة لزيف الولاءات، وصنع أعلام هي في الواقع تضر القضية التي أنت تتولاه من أجلها، تضر بالقضية نفسها التي أنت تتولاه من أجلها، أما هنا فالتولي الصحيح حيث تكون الولاية للأعلام الذين رسمهم الله للأمة ونصبهم للأمة، فإن الولاية تعطي ثمرتها».
[2] هذه الولاية التي لا تصح إلا لعلم واحد.. هل هناك أكثر من قائد واحد لكتيبة واحدة؟ أكثر من قائد لشعب واحد؟ أكثر من قائد لأمة واحدة؟ أليس هذا يوجد خللا؟ عمر نفسه رفض عندما قال الأنصار: «منا أمير ومنكم أمير». قال: لا. وأنت تريد أن تضيف عمر وهو يرفض من حيث المبدأ ما تريد أن تعمله له، تضيفه إلى علي (عليه السلام) والذين آمنوا، علي وأبو بكر وعمر وعثمان. لا. المسألة هي مسألة ولاية هدى، ولاية اهتداء واقتداء من جهة عُليا، منها تتلقى الهداية، أنت يا من أنت جندي في ميدان المواجهة، من أنت تسمي نفسك أو تريد أن تكون من حزب الله، يجب أن تتلقى من هذه الجهة، وأنت تتولاها ولاية اهتداء واقتداء، ولاية طاعة، ولاية أمر، إذن فلا مجال لسحبها على الآخرين».

🔼 «الاصطفاء» الفكرة والعُقدة 🔼
📌 في عالم اليوم يتراجع التَّفاخر والاعتزاز بالانتماءات العُصبوية أمام الكفاءة والقُدرة والإبداع والعطاء، حتى لقد أصبح العالم يحترم كل من يقدم للإنسانية شيئاً مفيداً ويُشيد به دون أن يهتم بمعرفة أصله وفصله، ولا يسأل عن دينه وموطنه وعَشيرته! بينما نجد بعض إخوتنا مصرين على أن يبعثوا فينا عُقدة «الاصطفاء العِرقي والمذهبي» من جديد! وكأنه لم يكفِ أمتنا ما نتج عن تلك العصبيات من عُقد اجتماعية وانحرافات فكرية وصراعات سياسية، فهل كُتب علينا أن نعود إلى مقولات: «نحن أبناء الله، وسلالة النور، وسفينة النّجاة، وتميمة حفظ الأرض من الغَرَق»[1]. ونكتفي عن الصعود في مدارج الارتقاء بالبحث عمن نتمسك به ليقودنا كالعميان؟!
🔸 في مسألة الاصطفاء يتحدث الأخ حسين الحوثي في (ملازمه) أن الله اختص الأنبياء بالرسالة، وجعلهم هداة للخلق، وكذلك اختص أهل البيت بولاية الأمة. مؤكدا على أن الأمة انحرفت من بعد النبي حتى الآن بسبب تخليها عن ولاية «الأعلام» من أهل البيت[2]، وأنّ ما يصيب الأمة الإسلامية اليوم من حالة ضعف وانكسار ما هو إلا بسبب أبي بكر وعمر اللذين صَرَفا الولاية عن المصطفين لها[3]. ويرى أن الصهيونية العالمية هي التي تحارب لفظ «إمام» ليتسنى لها إسقاط ما يصفه بـ«الكمال الإلهي»، حتى يسهل على غير «الأعلام» الوصول إلى السلطة[4]. وله في هذا كلام كثير، لا يستطيع أحد من أتباعه إنكاره.
🔸 وردُّنا عليه هنا سيكون في مقامين؛ أحدهما: رد تفصيلي على الحجج التي ظل يوردها خلال ملازمه، كآية الاصطفاء وحديث الثقلين ونحو ذلك. وثانيهما: الكلام عن مسألة الاصطفاء بشكل عام. وسنبدأ هنا بالثاني لكونه الإطار العام.
🔘 (أولا): الاصطفاء.. العُقدة:
ظل الحوثي يناور على البسطاء بأن الاصطفاء موجود في القرآن الذي أكد أن {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}، و{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}، و{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، ثم يرهبهم بالتخيير بين تصديق ما جاء في القرآن أو الكفر به، وبعد الإيمان بفكرة الاصطفاء يقوم بمنحه لمن يريد ويسلبه عمن يريد..! وأتذكر هنا أننا كنا في ما مضى نرتجف حينما نسمع أن بعض «الأعلام» يعتبر إنكار اصطفاء أهل البيت في حكم «الردّة»، لكونه إنكاراً لما عُلم من القرآن ضرورة.
وهذا مما أربك كثيراً من الدارسين، حتى من غير أنصار الحوثي، فيلجأ إلى التأويل أو الإنكار، مع أننا حينما نضع الآيات – الواردة في الاصطفاء – في سياقها الموضوعي، نجدها تمضي في إطار التكليف الطبيعي، وأنها خالية من شتى أشكال العنصرية النّتنة، كما سيأتي تفصيل ذلك.
ومن الأمور التي تُسقط مسألة الاصطفاء (بالكيفية التي قَدّمها الحوثي ومن يتفق معه)، ما يأتي:
❶ أن عقول الراشدين، وأديان الرسل، وتجارب الأمم، وأخلاق المجتمعات، ربطت كل تَمَيُّز الإنسان بما اكتسب من معارف وقُدرات جعلته مرهوناً بما قدّم وأخّر، وتتعامل معه على أساس أنه كلما نجح في مهمة حاز قدراً من التَّميُّز، واستحق من المكانة والتقدير ما لا يستحق سواه.. وعلى ذلك تمضي أكثر شعوب العالم اليوم، ولا تعتبر مجرد الانتماء العِرقي أو الجغرافي أو الديني موجباً للأفضلية الاجتماعية والاستحقاق السياسي، وتنظر بشفقة إلى من لا يزال مهووساً بنظرية: «أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين»، باعتبارها حالة مرضية، تحتاج إلى رِفْق في معالجتها، كما تُعالج سائر الأمراض.
❷ منطقياً؛ لا يمكن أن ترتبط أفضلية الإنسان بمجرد الانتماء إلى العِرق أو الجغرافيا أو الدين، وكذا استحقاقه للمكانة والاختصاص بأي دور؛ لأن المنتمين إليها ليسوا على نمط واحد؛ لا في خَلق ولا خُلق ولا كفاءة.. فلا يمكن أن يكونوا جميعاً في الصّدارة بمجرد الانتماء، ولا يصح تخصيص بعضهم بمجرد الدّعوى؛ لأن ذلك ضربٌ من السذاجة والخَبَال، فلم يبق إلا أن يكون هنالك أمر آخر، كالكفاءة الذاتية والاستحقاق بالكَسب، وهو المعيار المطلوب الذي لا فكاك منه ولا قيمة لسواه، ولا يتطلب توفره أي نوع من أنواع العصبيات.
❸ بَنَى الإسلام رسالته برمتها على أساس {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وأكد في مئات الآيات على أن الخيرية والأفضلية مرتبطة بالإيمان والعمل الصالح، وحَسَم الأمر بـ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}، وأخبر بأن {لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}، وأن {لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، واستنكر مزاعم بني إسرائيل بالتميز لكونهم بني إسرائيل..
▪ فرد عليهم حين قالوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه!}، بقوله: {بَلْ أنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ}.
▪ ورد عليهم حين {قَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أو نَصَارَى!}، بقوله: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِله وَهُو مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُه عِندَ رَبّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
▪ ورد عليهم حين {قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النارُ إِلَّا أيَّامًا مَعْدُودَةً!}، بقوله: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
▪ وأكد لنا ولهم أن التَّميز {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ.. مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}.
❹ كلام القرآن عن الاصطفاء لم يأتِ في السياق الذي أورده الحوثي وسائر مؤيدي الاصطفاء العِرقي؛ ولكنه جاء ومعه ثلاثة أمور: بيانٌ لطبيعة أي اصطفاء، وتعيينٌ لهوية المُصطفي، وتحديدٌ للمهمة التي أصطفي لها. ووضع كل ذلك في السياق العام لنظرية العدل والمساواة والتّكليف التي بُنيت عليها أديان السماء وأخلاق الأمم، ولم يترك الباب مفتوحاً لكل من هبّ ودبّ، ليرتقي في عقول الناس بنصوص يبْتُرها عن سياقها الموضوعي ليفسح لنفسه مجالاً فيها، ثم يركّبها في قصص تاريخية أنتجها الصراع الاجتماعي والجدل السياسي المُزمن.
❺ دعاوى الاصطفاء والعِلْم اللدُنِّي والعصمة والإلهام ونحوها.. هي في الأساس بضاعة الفاشلين في التحصيل العلمي، والعاجزين عن تقديم ما يُقدِّر المجتمع من عمل وإنجازات؛ لأنها تعوضهم عن حالة الفراغ والنقص التي يعيشونها، فيستعيضون عن الحقيقة بالأوهام، ويحجبون الحاضر بالغائب، ويستبدلون الشهادة بالغيب، وبهذا يعيّشون المجتمع في جدل بيزنطي على المزاعم والدَّعَاوى، التي يمكن لكل منا أن يقول فيها ما يريد كما يريد، المهم أن يجد له مجموعة من المؤيدين المتحمسين، الذين يفعلون ما يؤمرون!
🔘 (ثانياً): الاصطفاء.. الفكرة:

الهوامش:
[1] ذكر القرآن دعوى بني إسرائيل بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وفي هذا يُروى أن الله خلق أهل البيت من نور واودعهم في صلب آدم بعد أن خلقه من طين، ويروى أن النبي قال إن أهل البيت كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى، ويروى أنهم هم أمان لأهل الأرض من الغرق. وسنأتي على ذكر ذلك ونناقشه بالتفصيل.
[2] ومن ذلك قوله: «الاصطفاء الإلهي يأتي دائماً في كل مقام يرتبط به سبحانه وتعالى بالنسبة لعباده، فإذا أصبحت المسألة لدينا على هذا النحو فمعنى ذلك أن هذا هو الضمان الذي يجعل القضية بيد الله سبحانه وتعالى، هو الذي يؤهل، هو الذي يكمل، هو الذي يختار، فإذا ما نسفنا مبدأ الكمال هذا بكله ظهر على السطح الكثيرون جدا».
[3] وعن هذا قال الحوثي: «ما زال شرها إلى الآن، وما زلنا نحن المسلمين نعاني من آثارها إلى الآن. هي كانت طامة بشكل عجيب، هي سبب المشكلة، وهي المُعَمِّي عن حل المشكلة.
وأضاف: ألا ترى المسلمين كيف أنهم لم يستطيعوا حل إشكاليتهم أبداً، ألم يكن المسلمون سنيّة وهم متولون لأبي بكر وعمر؟ ما استطاعوا أن يصلوا إلى حل إطلاقاً في قضيتهم هذه في صراعهم مع أعداء الإسلام، والأمة في كل سنة تهبط نحو الأسفل جيلا بعد جيل، إلى أن وصلت تحت أقدام اليهود، من عهد أبي بكر إلى الآن… ولن يتخلوا عن أبي بكر وعمر حتى آخر ذرة من البلاد العربية، وليس آخر ذرة من أرض فلسطين، حتى آخر ذرة من تراب الوطن العربي، إلى آخر ذرة تستعمر وتستذل وتقهر».
[4] ومن ذلك قوله: «لاحظوا في قضية الإمامة، عندما يحاربون الإمامة فهل تظنون أنهم يحاربون اسم (إمامة)، هذا واحد من مقاصد الصهيونية من محاربة العناوين والمفردات… وهم حاربوا مبدأ كمال ألّا يترسخ في ذهنية الناس، لماذا؟ لأنه متى ما نسفنا هذا الكمال الذي لا بد منه فسنصل إلى أن نحكم الناس، سأصل أنا إلى أن أحكم الناس متى ما نسفت شروط الكمال، أليس هذا هو الذي حصل؟».

🔼«الاصطفاء».. فكرة التّكليف وعصبية التّحريف🔼
✍ في عدة مناسبات ذكر القرآن أن الله اصطفى بعض الخلق سواء كانوا من البشر أم من غيرهم، فقال: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ}، وقال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ}، و{إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
ومن خلال تلك الآيات تسلل دعاة العصبيات إلى عقول المتدينين ليؤكدوا أن ليس لأحد إلا التسليم والقبول بمبدأ الاصطفاء، ثم يقدمون عصبياتهم الخاصة على أنها من الأشياء التي اصطفاها الله، ويرهبون البسطاء بأن عدم تقبل ذلك عصيان لله، ومن يعص الله ورسوله فقد خسر خسراناً مبينا!
وهنا ننبه على أن خلافنا مع دعاة العصبيات ليس في وجود الاصطفاء كمصطلح مستخدم في القرآن والسنة وسائر كلام العرب، ولكن الخلاف معهم في ثلاث مسائل، الأولى: معنى الاصطفاء في القرآن. والثانية: من هو المصطفى؟ والثالثة: دعوى الاصطفاء لفئة معينة على أساس عِرْقي.
🔸 (المسألة الأولى): ورد الاصطفاء في القرآن في «أربع عشرة آية»، منها أربع في سياق الإنكار على من زعم أن الله اصطفى البنين على البنات أو اختصهم بالبنين وترك لنفسه البنات.
بينما تتحدث الآيات العشر الباقية عن الأنبياء وما يتعلق بهم، وجميعها يشترك في معنى «التكليف بمهمة ما»، كما في قوله: {يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي}، وقوله في إبراهيم: {وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ}، وقوله في إبراهيم وإسحاق ويعقوب: {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ}، وحدد لطالوت مهمة فقال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ}، وعن مريم قال: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}.
فالقضية إذن ليست مجرد مِنحٍ تشريفية، ولكنها تكاليف بمهام، يتوقف الثواب والتميز على إنجازها، {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}.
🔸 (المسألة الثانية): لم يترك القرآن مسألة الاصطفاء للدعاوى والمزاعم تصُول فيها وتجول، ولكنه ضبطها بالتسمية والوصف، كما فعل مع آدم ونوح وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وطالوت ومريم، وأجْمَل بقية الأنبياء بقوله: {قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى}. فقوله: «الذين اصطفى» إشارة بصيغة الماضي إلى أشخاص معروفين سبق ذكرهم في قوله: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}، ونحو ذلك.
🔸 (المسألة الثالثة): حاول أدعياء الاصطفاء حشر أنفسهم في موضوع الاصطفاء وإخراج غيرهم، وهو ما ظل الأخ حسين الحوثي يكرره ويعيده، ليسجل «أعْلَامه» فقط دون سواهم في قائمة المصطفين! وتمت تلك المحاولة من خلال نصين:
▪ (أحدهما): قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ}، بحجة أنهم من آل إبراهيم. وتلك حجة ضعيفة؛ بل واضحة البطلان، من أوجه، منها:
(1). أن آل إبراهيم وآل عمران في الآية هم مجموعة الأنبياء من آل إبراهيم وآل عمران، بدليل قوله: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا}. ولا يصح أن نعتبر الاصطفاء واقعا لجميع ذرية إبراهيم وعمران، كما لا يصح تخصيص بعضهم للاصطفاء على أساس عرقي، فالأمر محسوم بـ{لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}.
(2). تخصيص «آل إبراهيم وآل عمران» بأنهم «أبناء علي وفاطمة» رضي الله عنهما، مجرد دعوى، لا تستند إلى نص من القرآن، ولا يصح أن يتم تطويع القرآن بقصص وروايات تاريخية، أقل ما يقال فيها: إنها تلفيقات انتجتها الصراعات العصبوية المُزمنة. وحتى لو أمكن صرف «آل إبراهيم» إلى «آل محمد» على أساس عِرقي، فلن يكون ذلك ممكناً في «آل عمران»؛ بل يلزم أن يكون «آل عمران» في عصرنا حاخامات بني إسرائيل وقياداتهم السياسية، أمثال «شمعون بيريز، بنيامين نتنياهو، أفيغدور ليبرمان»، ومن على شاكلتهم!
▪ (ثانيهما): قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، يقولون إنها نزلت في «أهل البيت» المتمثلين في علي وفاطمة وأبنائهما، وذلك غير صحيح من عدة أوجه:
(1). أن الآية من سورة (فاطر)، وهي مما نزل في مكة، أي: قبل أن يتزوج علي من فاطمة الزهراء رضي الله عنهما، وقد جاءت الآية بصيغة الخبر عن الماضي، مما يؤكد أنها تتحدث عن أنبياء الأمم السابقة! كما هو واضح في قوله تعالى عن بني إسرائيل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ}، وقوله: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى}.
وذلك لا يمنع من أن يكون حال أمتنا كحال الأمم السابقة في تكليفها بمهمة تبليغ كتاب نبيها وتقديمه للأجيال اللاحقة والأمم الأخرى، كما قال: {جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، وقوله: {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاس}. وبذلك يتعلق الاصطفاء بمستوى إنجاز المهمة، ويشارك في ذلك جميع القادرين من أي عشيرة أو بلد كانوا. وهذا هو الذي يتلاءم مع قوله: {.. فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير}.
(2). لم تُشر الآية من قريب ولا من بعيد إلى أن للاصطفاء فيها علاقة بأي نوع من أنواع العصبيات، ولكنها مَنَحت «الفضل العظيم» للسابق بالخيرات فقط، فقالت: {.. فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير}. تماماً كقوله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}. ولا ينبغي أن نطوع القرآن بروايات وقصص توجه الآية لتمضي خارج السياق الموضوعي للنص، خصوصاً أن التدقيق فيها يكشف أنها أتت ضمن موجة الدعاية الإعلامية التي خاضتها العصبيات الاجتماعية في القرنين الأول والثاني من الهجرة.
📌 وخلاصة القول: إن الاصطفاء عبارة عن تكليف بمهمة معيّنة، ينجزها الأكفاء السابقون، ويتخلف عنها الكسالى القاصرون، سواء كانوا جماعاتٍ أو فرادى، رجالاً أم نساء. وليس لأحد أن يدعي أنه شريك الأنبياء في مهامهم الخاصة، ولا أنه يحتكر أي نوع من أنواع التكليف أو الفضل والتميز لجنسه أو عِرقه، وإن كان ابن ماء السماء أو من سلالة النار أو النور.

🔼الديمقراطية والاصطفاء وجهاً لوجه🔼
🔸 خمسة مفاهيم تُرعب أنصار الحوثي، وتجعلهم يستنفرون طاقاتهم وإمكاناتهم لمحاربتها؛ لأنها تعارض فكرة الاصطفاء ولا تتلاءم مع مشروع الولاية والانقياد، وبالتالي يرون أنه لا بد من مواجهتها وإبعاد الناس عنها بشتى الوسائل.
▪ «الديمقراطية»..
▪ «تعدد الآراء»..
▪ «الاجتهاد الدّيني»..
▪ «قبول المخالف»..
▪ «التفكير المنطقي»..
وبما أن الديمقراطية هي الأكثر حضوراً، فقد حظيت باهتمام الأخ حسين الحوثي، وحاول تشويهها والتحذير منها بطُرق مختلفة وتطويل مُمل، خَلُص فيه إلى أن الله قد أمر بطاعة «الأعلام» وحددهم، فلا مجال لكثرة الاجتهادات والتفكير والآراء[1]. ومن ذلك:
🔘 كان يحدّث البسطاء بأن الديمقراطية غريْبة على الدين والمجتمع المسلم، وأنها فكرة يونانية أتى بها الإغريق! أما المسلمون فلديهم نظام الاصطفاء من الله الذي له الحق أن يصطفي ويختار ويعيِّن ويحدد من يكون امتدادا لسلطانه في الأرض[2].
🔘 اعتبر الديمقراطية والقول بصحة اختيار الناس لحكامهم نوعاً من أنواع العدوان على الله؛ لأن الحُكم ملكٌ لله، والله وحده هو الذي يعيّن أولياءه وليس الناس[3].
🔘 زعم أن المسلمين الذين اختاروا الديمقراطية قد قاموا بثورة على الله، حين قالوا: الأمر لنا، والملك لنا، والزعامة لنا، ونحن من نتحكم فيها ونمنحها من نشاء، بينما الله يقول إنه هو من يدبر شؤون مخلوقاته، ويُعّين لهم الأعلام[4].
🔘 اعتبر الديمقراطية مجرد مؤامرة، وأن من جاء بها إنما أراد أن يمسح من أذهان المسلمين فكرة «ولاية الأمر» المرتبطة بنظرية الاصطفاء، لأشخاص معينين[5].

🔘 شن هجوماً على الدساتير العربية والإسلامية التي تعتبر الشعب مالك السلطة، معتبراً ذلك خطراً على الأمة، لأنه يبعدها عن الاختيار الإلهي لولاية أمر الناس[6].
🔘 التأكيد على أن الديمقراطية جاءت لفرض ولاية اليهود والأمريكان علينا وتمكينهم منّا؛ فهي صنيعتهم، وتقوم على أساس المواطنة المتساوية لكل الناس، وخَلُص إلى أننا لا نستطيع حماية أنفسنا من الصهاينة إلا بولاية الأمر، وحسب فهمه أيضاً[7].
🔘 كان يخوف العامة من فكرة الديمقراطية بحجة أنها تَقبل المخالفين في الدين والسياسة، وبالتالي ستقبل المواطن اليهودي والنصراني بأن يكون شريكاً في الحكم. وهذا برأيه كارثة يجب ألا تتحقق[8].
🔘 اتهم دعاة الديمقراطية بأنهم رفضوا الحكم الإلهي في ولاية الأمر، وأنهم يريدون أن تكون السلطة للشعب دون الله، مؤكداً أن الولاية عبادة ولن تُقبل إلا ممن له شرعية من الله أن يحكم في أرضه[9].
🔘 استشهد بالوضع العربي المشتت للاستدلال على عدم صلاحية الديمقراطية، ليوصل جمهوره إلى اعتقاد أنه لا بد من رأي واحد وقائد واحد وطاعة عمياء، ليتمكن العرب والمسلمون من الوقوف في ومواجهة الغَرب[10].
وله كلام كثير حول هذا الموضوع، وما وضعت منه في الهامش كافٍ لبيان التوجه والفكرة التي يدندن حولها.. علماً أنه لم يتفرد بمهاجمة الديمقراطية، فقد شاركه في ذلك غيره من جماعات الدين السياسي، وإن لاعتبارات مختلفة، فما يقال له يقال لغيره.
🔸 يحتج الحوثي لما ذهب إليه من التصدي للديمقراطية وتعدد الآراء والاجتهاد وأخواتها، بأمرين:
▪ أن الديمقراطية مخالفة لنظرية الاصطفاء وولاية الأمر المحددة من عند الله. وهذه الحجة قد تقدم تفنيدها عند الكلام عن الاصطفاء. وسيأتي المزيد عند الكلام عن «الولاية» و«الثقلين».
▪ أنها تؤدي إلى الاختلاف وتعدد الآراء، وهذا يضعف الأمة، فالأصلح للمجتمع والأسهل لقيادته، تجنبها، والاكتفاء بـ: «الاتباع، التمسك، الاقتداء، الطاعة».. الخ!
.. ويمكن أن يكون كلامه هذا صحيحاً؛ ولكن إذا اعتبرنا أنه يتعين على المجتمع أن يتحول إلى قُطعان من الأتباع يُقادون ويساقون حَسَب الطلب، للتأييد والقتال والتظاهر والمقاطعة وترديد الشعارات، أو حتى مهاجمة المخالفين وشتمهم واتهامهم دون سؤال أو مراجعة أو احترام لقاعدة عقلية أو قيمة أخلاقية!
أما إذا كان المطلوب أن يكون المجتمع واعيا بنفسه ولنفسه، يعبد الله على عِلم، ويستبق الخيرات بإرادته، ويتخذ مواقفه بحرية وإرادة كاملة، فالأمر مختلف تماماً. فالله نفسه قد جعل لكل أمة شرعة ومنهاجاً، وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ}.
ولو كانت ثقافة القطعان مطلوبة لله عز وجل، لخلق الأتباع بشريحة واحدة مبرمجة على شريحة «السيد العَلَم»، وانتهت المشكلة! ولما أمر الله نبيه أن يقول للناس: {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ… وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}.
ثم إننا إذا نظرنا إلى الدول التي تحكمها الحرية والديمقراطية ويسود فيها التعدد والتنوع، فإننا سنجدها أكثر دول العالم استقراراً ونجاحاً وقوّة، وسنجد الإنسان فيها أسعد إنسان؛ حقوقه محفوظة، ومعتقداته محترمة، وكرامته مُصانة، وكأنه قد أصبح في جنة النعيم التي يساق شبابنا اليوم إلى الموت طمعاً في بلوغها.
🔸 وهنا سؤال يطرح نفسه، وهو: إذا كان الحوثي لا يؤمن بالديمقراطية، فكيف يتحدث عنها بعض أتباعه اليوم؟
والإجابة عليه سهلة للغاية، لأنها مذكورة ضمن ملازم الحوثي نفسه، فهو يرى أن الديمقراطية بالنسبة لمن يَصفهم بـ«أولياء الله» مجرد فُرصة أتاحها لهم أعداء الإسلام، ويمكنهم استغلالها لكي يتمكنوا من الوصول إلى الحكم والسيطرة التي يتمكنون معها من تنفيذ مشروعهم الخاص وفرضه على الحياة[11].
📌 اليوم أنصار الحوثي مطالبون أكثر من أي وقت مضى بأن يعلنوا تخليهم عن نظرية «الاصطفاء والعَلَمية» كأساس عَملي للحكم وإدارة شأن الحياة، ويقبلوا بالعيش مع اليمنيين والعالم، في ظل أنظمة مدنية تنشد العدل والمواطنة المتساوية، ويعملون لذلك بشكل واضح، وسيكون الشعب سعيداً بهم كمكون مِنه وفيه. أو يصارحوا اتباعهم بأنهم متمسكون بفكرة «الاصطفاء والعَلَم» وملحقاتهما، ليعرفوا أنهم يناضلون من أجل ذلك المشروع الخاص، ويَقتلون ويُقتلون في سبيله، وأن الوطن والدين والعزّة والكرامة وأمريكا وإسرائيل وسبيل الله، ونحو ذلك مجرد شعارات لدغدغة المشاعر والتلبيس على الشباب.. ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن بيّنة.
ولا تَكفي المراوغة بالكلام عن القبول بـ«الجمهورية»، أو بتعيين موظف على رأس سُلطة لا يملك سوى الطاعة والانقياد «للوليّ العَلَم». ولا يجدي التَّعذر بأننا في اليمن لم نعش ديمقراطية حقيقية؛ لأن سوء التطبيق لا يبرر إنكار المبدأ ومحاربته، وإلا للزم محاربة كثير من المفاهيم الدينية التي لم تُطبق بشكل صحيح.

الهوامش:
[1] يقول الحوثي: «ذلك الكتاب الذي يقول: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} هذه الكلمة هل هي تساوي كلمة: كل واحد يمشي على رأيه واجتهاده ونظره؟ هل هي سواء مثل كلمة: الرأي والرأي الآخر؟ هي سواء؟! ليست سواء.. كلمة: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} تختلف اختلافا كبيراً عن كلمة: حرية الرأي والرأي الآخر، عن كلمة: حرية الاجتهاد، تختلف اختلافاً كبيراً. تلك تبني أمة وتوحدها، وهذه تمزق أمة وتشتت صفها».
[2] «النظام الديمقراطي أو هذه العناوين هي من قبل الإسلام بفترة طويلة عند اليونانيين، وعند الإغريق، عند فلاسفتهم هم من تفلسفوا وحللوا ما يتعلق بالأنظمة، فقدموا عناوين وقسموها إلى تقسيمات معينة، لكن الإسلام أصبح تخلفاً، والديمقراطية هي ماذا؟ هي تقدم، وهي من عمرها قد يكون ربما نحو ألفي سنة أو أكثر من أيام الإغريق، ثم يأتي الإسلام ديناً للعالمين، ورسوله رحمة للعالمين، ثم لا يكون لديه أي نظام، لا يكون لديه أي نظام، يكون امتداداً لسلطان الله في أرضه، إذا كان تدبيره في ما يتعلق بالإنزال للهداية إلى خلقه لا بد أن يرتبط بشخص {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} (الحج: من الآية 75)، فولاية شأن عباده في هذا الجانب لا بد أيضاً أن تكون مرتبطة بأحد من عباده، وهو هو من له الحق أن يصطفي ويختار ويعيِّن ويحدد هو سبحانه وتعالى».
[3] قال: «كثير من شؤون الأرض مرتبطة بهم [يعني الأعلام]، تأتي من جهتهم ممن اصطفاه الله من داخلهم يقوم بإبلاغ وحيه، بإنزال كتبه، ومع عباده حفظة، ومع عباده كُتَّاب، الكل.. الكل حول الإنسان. الكل حول الإنسان.
ثم إذا انتزعنا ملك الله من هذا الإنسان، وقلنا لا حاجة إلى أخذ شرعية من جهة الله سبحانه وتعالى في ما يتعلق بالحكم لهذا الإنسان، والهيمنة عليه، والتحكم في شؤونه، فماذا بقي لله؟ تركنا لله الأشياء الباقية! تركنا له الأشياء الباقية! ثم نأتي إلى المخلوق الرئيسي الذي هو خليفة لله في هذه الأرض، وسخر له الأرض والسماوات وما فيهما، فننتزع سلطان الله منه، ونأتي نحن ولا نربط أنفسنا بالله، بل نأتي لنقول: السلطة ملك للشعب يمنحها من يشاء».
[4] قال: «فنحن عملنا نحن المسلمين عملنا ثورة على الله – إن صح التعبير – ونزعنا سلطاننا من يده، وجئنا لنقول: الأمر لنا، والملك لنا، والزعامة لنا، فنحن من نتحكم فيها ونمنحها من نشاء! بينما هو في هذه الآيات يتحدث معنا بأنه هو من يدبر شؤون مخلوقاته».
[5] قال: «جاؤوا بالديمقراطية لتكون بديلاً عن نُظُم الإسلام، وعن نظام الإسلام، ولنكون نحن المسلمين يمسح من ذهنيتنا أن هناك في الإسلام نظاماً، هناك ولاية أمر، هناك دولة، فيأتون بالديمقراطية».
[6] تساءل: «كيف لا نربط أنفسنا بالله؛ بل نأتي لنقول السلطة ملك للشعب يمنحها من يشاء؟! هكذا في دساتيرنا العربية عبارات! كهذه بالتصريح أو ما يُفهم معناها… هذه العبارة ليست سهلة، هذه عبارة خطيرة جداً على الأمة، أن تدين بها دولة، وأن يدين بها شعب، عبارة خطيرة!». وأضاف: «هكذا في دساتيرنا العربية عبارات كهذه بالتصريح أو ما يُفهم معناها».
[7] قال: «إن الديمقراطية نفسها غير قادرة على أن تحمينا من فرض ولاية أمرهم علينا لأن الديمقراطية أولاً: هي صنيعتهم، ثانياً: هي نظام هش ليس له معايير ولا مقاييس مستمدة من ثقافة هذه الأمة ومن دينها وقيمها الإسلامية». ويضيف أن الديمقراطية تقوم على اعتبار المواطنة، وهي متوفرة في اليهودي والنصراني، فهي لا تستطيع أن تحمينا من فرض ولاية أمرٍ يهودية.
ويضيف: «ثقافة (حديث الغدير) أكرر ثقافة (حديث الغدير)، فَهْمُ الشيعة فَهْمُ أهل البيت لمعنى ولاية الأمر المستمدة من (القرآن)، المستمدة من (حديث الولاية)، ومن أحاديث أخرى متواترة عن رسول الله (صلوات الله عليه وعلى آله)، هو الكفيل بتحصين هذه الأمة حتى لا تقبل ولا تخنع لأولئك الذين يريدون أن يفرضوا عليها ولاية أمرهم، وهم اليهود الأمريكيون والصهاينة».
[8] قال: الديمقراطية «تقوم على اعتبار المواطنة، وأمامك مواطن يهودي، وسيكون الدستور في أي بلد – إن كان سيبقى هناك دساتير – بالشكل الذي لا يجعل هناك أي اعتبار لمعايير أو مقاييس مستمدة من دين هذه الأمة، من دين هؤلاء المسلمين، وإنما فقط يجب أن يكون من يلي أمر هذا الإقليم مواطن حاصل على البطاقة الشخصية، وألا يكون قد صدر بحقه حكم يخل بشرفه، وألا يقل عمره مثلاً عن أربعين سنة».
[9] «قُدِّمَ هذا المنطق [يعني ولاية الأمر وفق نظرية الاصطفاء] بأنه منطق مرفوض، هو ما يسمى بالحكم (الثيوقراطي) ما يقابل (الديمقراطية) (الثيوقراطية) أي الحكم الإلهي، الله لا دخل له في العالم، ومن ينادون بأن يكون الله هو من يحكم عباده، وألا نقبل إلا من له شرعية من الله أن يحكم في أرضه، قالوا: ربْطُ الحكم بالله، ربْطُ السلطة بالله، هذا هو نظام [ثيوقراطي] هو نظام مرفوض! بديل عنه النظام الديمقراطي الذي يجعل السلطة ملكاً للشعب، هذا هو النظام التقدمي والنظام الأفضل، هكذا يقولون».
[10] «نحن في أمس الحاجة إلى شخص واحد يمثل هذه الأمة، يقول لـ«بوش»: لا. هل هناك أحد في العالم العربي؟ لا، لا يوجد أحد، لا يوجد أحد رجل واحد، زعماء متعددون، دول متعددة، وداخل كل دولة آراء متعددة، وأفكار متعددة، إلى آخر القائمة، بالسكين يقطعوننا قطعا، قطعا… إلى آخر قطعة، فنبدو قطعاً مبعثرة، متناثرة».
[11] قال: «حتى أعداء الإسلام لا يدرون بأنهم يهيئون أجواء عظيمة جداً للمؤمنين من خلال ما يتحركون فيه من الدعوة إلى الديمقراطية؛ لأن الله غالبٌ على أمره».
ويؤكد أن «الله هو من هيأ الديمقراطية ليعبر أولياؤه إلى السلطة»، فقال: «يُفرض داخل الديمقراطية حرية التعبير، حرية الكلمة، حرية التحزب، حرية التجمع، حرية القول، أليس هذا هو ما يحصل؟ فكم أعطوا الناس من متنفس عظيم؟!… لكن الله أراد من خلال ما أرادوا أن يفرضوه أن يكون هناك متنفس لأوليائه، وما أكثر الانفراجات التي تأتي، ما أكثر الانفراجات التي تحصل، لكن من لا يهيئ نفسه لأي عمل في سبيل ا،لله تمر الأشياء ولا قيمة لها عنده، ولا يبالي».

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق