أرشيفتقاريرسلايدر

نازحو الحرب في صنعاء: أين المساعدات؟ “تقرير”

"تقرير"

نازحو الحرب في صنعاء: أين المساعدات؟

المدونة اليمنية – خاص :

يشتكي نازحو الحرب القاطنون في العاصمة اليمنية صنعاء، من عدم وصول المساعدات الغذائية والنقدية التي يُعلن عن أنها مخصصة لهم منذ اندلاع الحرب في اليمن أواخر العام 2014.
عصام السامعي (47 عاماً) أحد الذين نزحوا هرباً من نيران الحرب في محافظة تعز، بين مسلحي الحوثي والقوات الحكومة الشرعية. انتقل عصام إلى صنعاء هو وعائلته المكونة من 13 فرداً، وكانت أولى المشكلات التي واجهته هي أنه لم يجد مأوى ولا فرصة عمل لكسب لقمة عيش كريمة.


يقول عصام لـ”المدونة اليمنية”: “كنت أعمل نجاراً في مدينتي، وأتقاضى مبلغاً مالياً يكاد يكفينا، والحمد لله كنا في ستر الحال، لكن الحرب والنزوح تسببا في قطع أرزاقنا، وأصبحنا نبحث عن أي شيء نسد به الرمق”.
ويضيف: “بين حين وآخر يأتي إلينا مندوبو المنظمات المحلية والدولية، ويقومون بتدوين بياناتنا وتصوير وثائقنا الشخصية، ويخبروننا بأننا سنحصل على مساعدات، ولكن لا يفون بوعودهم، مرة واحدة فقط هي التي حصلنا فيها على بطانيتين من إحدى المنظمات المحلية”.
المعاناة نفسها يكابدها علي الوصابي (51 عاماً)، النازح من محافظة الحديدة، والذي تقطعت به السبل لأشهر عديدة بين حارة وأخرى في العاصمة صنعاء، وهو يبحث عن منزل يؤويه هو وعائلته، كون غالبية الشقق والمنازل مليئة بعائلات ميسورة الدخل قادرة على دفع مبالغ باهظة مقابل استئجارها، بينما هو لم يعُد قادراً على توفير وجبة واحدة له ولعائلته المكونة من 8 من الأبناء.
أشار الوصابي في حديثه لـ”المدونة اليمنية” إلى “متاجرة المنظمات المحلية والدولية” بمعاناتهم ووجعهم جراء نزوحهم الاضطراري من مدينة الحديدة إلى صنعاء، وقال: “لقد مللنا كثرة الوعود من قبل المنظمات التي سجلت أسماءنا في كشوفات معمدة من عقال الحارات وأعضاء المجالس المحلية، تلقينا وعوداً بأننا سنحصل على مساعدات مالية منتظمة، ووعدونا بأننا سنحصل على مساعدات غذائية شهرية، لكن تلك الوعود لم تنفذ منذ نزوحنا قبل نحو عامين، وها نحن نكافح من أجل البقاء على قيد الحياة”.

نزوح شعب:

ويبلغ إجمالي عدد النازحين الذين قدموا إلى العاصمة صنعاء من مختلف المحافظات اليمنية، نحو 326 ألفاً و560 نازحاً ونازحة ، وفقاً لـ”هيئة إدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية ومواجهة الكوارث بأمانة العاصمة” التابعة لجماعة الحوثي.
بينما قدرت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين، في آخر إحصائية كشفتها لـ”المدونة اليمنية”، عدد النازحين في أمانة العاصمة صنعاء، بحوالي 30 ألفاً و622 أسرة، بما يساوي 196 ألفاً و337 نازحاً، موزعين على جميع المديريات .
وتُعد مديرية “بني الحارث” من أكبر المديريات من حيث استقبال النازحين، حيث تستقبل حوالي 9980 أسرة، ثم مديرية “معين”.
وفي محافظة صنعاء يتواجد ما يقارب 16 ألفاً و380 أسرة، بما يساوي 98 ألف نازح، موزعين على جميع المديريات، وأبرزها “همدان” التي استقبلت قرابة 6000 أسرة نازحة.
ويقيم النازحون في منازل للإيجار أو عند أقارب لهم داخل العاصمة صنعاء، غالبيتهم قدموا من محافظات “صعدة ، عمران ، تعز، الحديدة ، الجوف، مأرب، حجة ، المحويت، البيضاء، الضالع، ومن صنعاء نفسها”.
وتقول عدة منظمات ومؤسسات دولية إنها “تقدم مختلف أوجه الدعم للنازحين المقيمين في العاصمة صنعاء”.
ورصدت “المدونة اليمنية” أبرز تلك المنظمات، وهي كالتالي: “المفوضة السامية لشؤون اللاجئين ، المنظمة الدولية للهجرة، برنامج الأغذية العالمي، هيئة الإغاثة الإسلامية، المجلس النرويجي للاجئين ، المجلس الدنماركي للاجئين ، منظمة أدرا، مفوضية الوكالة السويدية، الهيئة الطبية الدولية، المساعدة الإسلامية البريطانية، منظمة العون المباشر، شركة أحمدتي العالمية، ومؤسسة تواصل”.
أما المنظمات والمؤسسات المحلية التي تقول إنها تدعم النازحين، فإن أهمها: “اتحاد نساء اليمن ، ملتقى صناع الحياة، شركة تيليمن ، شركة يمن موبايل ، منظمة روز يمن للتنمية ، شركة أساس العقارية ، وعدة مبادرات شبابية ومجتمعية”.
ولا تسمح جماعة الحوثي بإقامة مخيمات جديدة للنازحين في العاصمة صنعاء والمحافظات القريبة منها، خاصة مع تزايد أعداد النازحين من المناطق التي شهدت حروباً متقطعة في الآونة الأخيرة (كحجور ومريس وبعض مناطق الساحل الغربي)، وفق إفادة مصدر أمني لـ”المدونة اليمنية”.
وقال المصدر إن “جماعة الحوثي منعت في الآونة الأخيرة مجموعة من النازحين الفارين من جحيم الحرب في مناطق بمحافظة الحديدة، من إقامة مخيم للنزوح على تُخوم العاصمة صنعاء” .
كما لا يسمح الحوثيون لأية منظمة أو مؤسسة بتقديم أي دعم للنازحين، سواء مالياً أو عينياً، إلا عبر “هيئة إدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية ومواجهة الكوارث بأمانة العاصمة” التابعة لهم .
وكانت هيئة إدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية ، كشفت أن “حجم المساعدات المالية والغذائية والإيوائية التي قدمت لنحو 7000 أسرة نازحة بأمانة العاصمة صنعاء، خلال العام الماضي، بلغ 711 مليوناً و 210 ألفاً. مشيرة إلى أن “المساعدات المالية لم تغطِّ سوى نسبة 14% من الأسر النازحة”.
وفي ما يخص المساعدات الغذائية ، فقد أكدت الهيئة أن “33 ألفاً و 558 أسرة نازحة بالعاصمة صنعاء حصلت على 353 ألفاً و 177 حصة غذائية، بنسبة 63% من إجمالي نسبة الأسر النازحة المقيدة بالهيئة”.
وأوضحت أن “نسبة النازحين القادمين من مختلف محافظات الجمهورية اليمنية إلى أمانة العاصمة، ارتفعت خلال الأربع السنوات الماضية إلى ما نسبته 21% من سكان أمانة العاصمة صنعاء”.
لكن رئيس الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين نجيب السعدي، يشكك في صحة بيانات هيئة إدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية التابعة لجماعة الحوثي .
ويقول السعدي في حديثه لـ”المدونة اليمنية” إن “جماعة الحوثي تقوم بتوجيه الدعم الخاص بالنازحين في العاصمة صنعاء وعدد من المناطق الواقعة تحت سيطرتها ، للمقربين منها، وهي بذلك تتسبب في حرمان آلاف النازحين المحتاجين لذلك الدعم، دون وضع أي اعتبار لاحتياجاتهم”.

سرقات بالمكشوف:

في شارع “العدل” بالعاصمة صنعاء، صباح ذات يوم من أيام سبتمبر الماضي، كان مجموعة من العمال ينقلون أعداداً كبيرة من أكياس القمح من شاحنة إلى أخرى، بغرض بيعها في السوق السوداء . اتضح أثناء عملية النقل أن الشاحنة كانت مخصصة لموظفي مستشفى “الكويت” الجامعي. وبحسب موظف في المستشفى، تحدث لـ”المدونة اليمنية”، فإنه “بعد أن انكشف الأمر اضطر مدير مستشفى الكويت المعين من الحوثيين أمين الجنيد، إلى تشكيل لجنة للتحقيق في الأمر ونقل أكياس القمح إلى داخل المستشفى وصرفها لبعض الموظفين”.
في 31 ديسمبر الماضي، اتهم برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، جماعة الحوثي بنهب وسرقة المساعدات الغذائية المخصصة لملايين المحتاجين في البلاد، وبيعها في أسواق المحافظات والمدن الخاضعة لسيطرة الجماعة في شمال اليمن.
وكشف برنامج الأغذية العالمي، في بيان له حينها، عن أن “مساعدات غذائية مخصصة ليمنيين يعانون الجوع الشديد، تُسرق وتباع في بعض المناطق التي تسيطر عليها جماعة الحوثي”.
ويقول المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي ديفيد بيزلي، إنه “بعد سماع البرنامج بأن مساعدات غذائية إنسانية تباع في السوق المفتوحة في صنعاء، وجد أن كثيراً من الأشخاص لم يتسلموا حصص الغذاء المستحقة لهم، وأن منظمة واحدة على الأقل من الشركاء المحليين تابعة لوزارة التربية والتعليم الخاضعة لسيطرة الحوثيين، تمارس احتيالاً”.
واعتبر بيزلي أن “هذا الفعل يصل إلى سرقة الطعام من أفواه الجائعين، في وقت يموت فيه الأطفال في اليمن لأنهم لا يملكون ما يكفي من طعام، ويعد هذا فعلاً شائناً، يجب أن يتوقف هذا السلوك الإجرامي على الفور”.
ويؤكد المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي أن “مراقبيه جمعوا صوراً وأدلة أخرى تثبت نقل الطعام بشكل غير مشروع على متن شاحنات من مراكز مخصصة لتوزيع الطعام، وأن مسؤولين محليين يتبعون الحوثيين يزيفون السجلات ويتلاعبون في اختيار المستفيدين”. مشيراً إلى أنه “تم اكتشاف أن بعض مواد الإغاثة الغذائية تُمنح لأشخاص ليسوا مستحقين لها، ويباع بعضها لتحقيق مكاسب في أسواق العاصمة صنعاء”.
تلك الحقائق أكدها أيضاً عدد من موظفي مؤسسات الدولة، ومنهم موظفو صحيفة “الثورة” الرسمية، الذين اتهموا “وحدة النازحين في أمانة العاصمة” و”مشروع التغذية المدرسية” بسرقة المساعدات المقدمة من “برنامج الغذاء العالمي”، وتزوير كشوفات الصرف الخاصة بالمستحقين .
رئيس الوحدة التنفيذية لمخيمات النازحين التابعة للحكومة الشرعية نجيب السعدي، يقول لـ”المدونة اليمنية”، إن “مصادرة جماعة الحوثي لكثير من المساعدات، ولعل أبرزها ما تحدث عنه برنامج الأغذية العالمي، قبل أشهر، يُعد انتهاكاً خطيراً لا ينبغي السكوت عنه” .
ويواجه “برنامج الأغذية العالمي” ذاته ، اتهامات بالفساد بتقديم معظم المساعدات للحوثيين، الذين يقومون ببيعها في السوق السوداء، ويقدمون النزر اليسير منها لأتباعهم في جبهات القتال والمدن الخاضعة لسيطرتهم. حيث كشفت جمعية حماية المستهلك فضيحة فساد لبرنامج الغذاء العالمي، تتمثل في تفريغ 32 ألف طن من القمح الأمريكي المنشأ منتهي الصلاحية، في ميناء عدن.
وقالت الجمعية إنه “وعلى الرغم من تعفن القمح على ظهر الباخرة وعدم صلاحية استهلاكه، إلا أنه تم تفريغه وتعبئته في أكياس تمهيداً لتقديمه كمساعدة للمواطنين اليمنيين، مع أنه كان يفترض، بل يجب إعادته إلى مصدره، كونه متعفناً وغير صالح للاستخدام الآدمي”.

 

مساعدات غير كافية:

يؤكد مراقبون أنَّ حجم المساعدات التي تقدم للسكان في اليمن قياساً مع حجم الاحتياجات جراء المآسي والمصائب التي يعاني منها اليمنيون، ضئيل جداً، خاصة مع تزايد عمليات التزوير والسرقات التي تمت في الفترات الأخيرة.
وفي هذا السياق، يعتقد نجيب السعدي، رئيس الوحدة التنفيذية للنازحين، أن “هناك فجوة كبيرة بين الاحتياجات الإنسانية في اليمن ومستوى التدخل من قبل المنظمات ، كما أن هناك هدراً كبيراً للمعونات سواء في زيادة المصاريف غير المباشرة، أو توجيه المعونات في المجالات والأماكن الخطأ، وأن الوحدة التنفيذية للنازحين تعمل جاهدة من أجل تسخير المعونات لمستحقيها، والعمل على تقليص حجم الهدر في المعونات”.
ووفقاً للبيانات التي أعلنت عنها الأمم المتحدة في تقريرها عن العام الفائت، فقد بلغ عدد النازحين في اليمن أكثر من مليوني يمني .
وتصف الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية في اليمن بـ”الأسوأ في العالم”، وتؤكد أن أكثر من 24 مليون يمني، أي أكثر من 80% من السكان، بحاجة إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية العاجلة، بمن فيهم 8.4 مليون شخص لا يعرفون كيف سيحصلون على وجبتهم المقبلة، كما يعاني نحو مليوني طفل من النقص الحاد في التغذية.
من جانبها، توقعت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، اﺳﺗﻣرار ارﺗﻔﺎع ﻣﺳﺗوﯾﺎت اﻟﻧزوح الداخلي في اليمن، خلال العام 2019، وأن “المفوضية تواجه تحديات متزايدة بسبب تقييد إمكانية الوصول لتقديم المساعدات الإنسانية، ومع ذلك فإنها ستواصل العمل عن كثب مع السلطات المركزية والمحلية والشركاء في مجال المساعدات الإنسانية، لتنفيذ سياسة النزوح الوطنية لعام 2013، في الوقت الذي تتنقل فيه تطلعات السلطة الوطنية لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية”.
وقالت المفوضية، في تقرير نشرته عبر موقعها الإلكتروني، إنها “سوف تستجيب لحالات النزوح الجديدة، في العام 2019، مما يوفر ويعزز مساحة الحماية، ويعزز صمود المجتمع المحلي، ويمكن العائدين من النازحين داخلياً من التمتع بالحلول الدائمة، إزاء التحديات الأمنية المستمرة”.

اظهر المزيد

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق