أرشيفتقاريرسلايدر

السفر في اليمن طريق محفوف بالمخاطر و مليء بالمضايقات ..

المدونة اليمنية - خاص

أسفر عن الحرب التي تشهدها اليمن منذ مارس 2015، العديد من الآثار السلبية التي ألقت بظلالها على المدنيين، باعتبارهم وقود الحرب، والفئة الأكثر تضرراً منها، من بين كل فئات المجتمع، كما أن المدنيين في اليمن هم أكثر من يدفع فاتورة الحرب، دون أن يكون لهم يد فيها.
ومن ضمن الآثار السلبية للحرب في اليمن، والتي تضرر منها المدنيون بشكل مباشر، هو تقييد حرية السفر والتنقل، باعتبار هذا الحق واحداً من أهم حقوق الإنسان التي يحترمها القانون الدولي، ويحترمها الدستور في الكثير من الدول، حيث يضمن الدستور لمواطني الدولة حرية السفر والإقامة والعمل في أي مكان يرغب من تلك الدولة، دون التعدي على حريات وحقوق الآخرين، وأن يغادر تلك الدولة وأن يعود لها في أي وقت.

كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي المادة 13 منه، قد نص على أن لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة، كما ويحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد، بما في ذلك بلده، كما يحق له العودة إليها، كما أن المادة 12 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قد نصت على أن لكل فرد حرية التنقل واختيار مكان سكنه في أي مكان في نطاق الدولة التي يتواجد فيها بشكل شرعي، كما يحق لأي فرد أن يغادر أية دولة بحرية، بما في ذلك دولته.
وفي اليمن برزت الكثير من التعقيدات التي فرضتها الحرب وأسفرت عنها، فبالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي نتيجة انقطاع الرواتب وتدني فرص العمل، برزت مشاكل أخرى تتمثل في تعقيدات السفر وصولاً إلى استحالته في بعض الأحيان، من خلال التعقيدات المستحدثة من أطراف الحرب، والمتمثلة في الطرق الجديدة الواصلة بين المدن اليمنية، والتي طالت وتضاعفت فيها المسافات، وكذا التكلفة المالية للسفر، والاعتقالات والاختطافات التي يتعرض لها المسافرون، ما يجعل السفر بين المدن اليمنية مخاطرة لا تستدعي الإقدام عليها إلا للضرورة القصوى، مثل الحالات المرضية أو إكمال الدراسة أو إنجاز أعمال في غاية الضرورة.

أضف إلى ذلك إغلاق عدد كبير من المطارات، أهمها مطار صنعاء ومطار الحديدة ومطار تعز، بالإضافة إلى التعقيدات في استخراج وثائق السفر وفي مقدمتها الجوازات، و توقف معظم شركات الطيران الحكومية والخاصة عن العمل في اليمن من مطار عدن ومطار سيئون، وهما المطاران الوحيدان اللذان يعملان في الوقت الحالي.
يقول سامي العبسي، الذي يعمل في منطقة الحوبان شمالي شرق مدينة تعز، إنه استأجر شقة في الحوبان بعد أن كان يسكن قبل الحرب مع أسرته في شارع جمال وسط المدينة، فعلى الرغم من أن منطقة عمله لا تبعد عن منزل الأسرة أكثر من 15 كيلومتراً، لكن الانتقال من الحوبان إلى وسط المدينة بات يحتاج 5 ساعات، وتكلفة السفر 5000 ريال.
ويضيف العبسي: “طبعاً، من بداية الحرب والطريق الرئيسي بين وسط المدينة والحوبان مقطوع، وكان يكلفك مشواراً أو مشوارين بالباص بـ100 ريال، وتحتاج لـ10 دقائق أو ربع ساعة فقط للوصول من المنزل لمقر العمل، لكن الآن هناك طريق مستحدثة تمر من الحوبان للدمنة ومن ثم إلى سائلة الأقروض، وهي طريق ترابية وعرة وضيقة، ومن ثم قرى الأقروض وصولاً لنجد قسيم ووادي الضباب، لتصل بعدها إلى المدينة، والطريق كذلك مليئة بالمخاطر، حيث يتعرض بعض المسافرين للاعتقال في النقاط العسكرية التابعة للحوثيين، وتفتيش للتلفونات ومضايقات، وأحياناً يكون هناك اشتباكات وتتعرض الطريق للقطع واحتجاز الركاب، ولذا قررت أن أستأجر شقة هنا في الحوبان بالقرب من عملي”.
وقد ازدادت الصعوبة في سفر اليمنيين من مدينة إلى أخرى، من خلال استحداث طرق غير معبدة في بعض الأحيان، بالإضافة إلى المخاطر الأمنية التي تتهدد المسافرين في النقاط العسكرية التابعة لميليشيا الحوثي أو المحسوبة على الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي.
استحداث طرق جديدة ووعرة يعد من أهم التحديات التي تواجه سفر اليمنيين وممارستهم لحق الانتقال، فالطريق الرابطة بين تعز وعدن كانت قبل الحرب تحتاج إلى ساعتين فقط لقطع المسافة بين المدينتين، لكن بعد الحرب صار المسافر يحتاج إلى 5 ساعات للسفر عبر الطريق المستحدثة، والتي تمر من طور الباحة مروراً بهيجة العبد والتربة.
وقد تضاءلت في السنوات الأخيرة نسبة المسافرين بين المدن اليمنية، مع تزايد المخاطر التي يتعرضون لها، حيث إن المسلحين التابعين للمليشيات المسلحة يجدون في المسافرين مصدراً للارتزاق من خلال ابتزازهم وأخذ جبايات مالية تحت تهديد السلاح، أو اعتقال بعض المسافرين ومن ثم الإفراج عنهم مقابل فدى مالية.
محمد الشرعبي، طالب يمني يدرس في الخارج، قال إنه جاء لزيارة أهله نهاية العام 2017، وبعد انتهاء إجازته، وخلال توجهه إلى عدن للسفر من مطارها، تعرض للاعتقال في نقطة عسكرية تابعة للحوثيين في منطقة الدمنة، بسبب وجود صورة أحد شهداء الجيش الوطني في موبايله، وتم سجنه داخل معتقل الصالح لأكثر من 10 أيام، قبل أن يتم الإفراج عنه مقابل فدية مالية، كما تسبب ذلك بتأخره عن موعد رحلته، ما جعله يدفع غرامة مالية لشركة طيران اليمنية، ويسافر بعد شهر كامل من موعد سفره السابق.
حالة الانفلات الأمني التي تشهدها معظم الطرق، مثلت بيئة خصبة لانتشار اللصوص وقطاع الطرق الذين يقومون بنهب وسرقة أموال المسافرين وأغراضهم، ما يزيد من حالة الصعوبة التي يواجهها اليمني العازم على السفر من مدينة إلى أخرى، فالعصابات الإجرامية التي تقوم بسرقة المسافرين تحت تهديد السلاح، تنتشر في مناطق الشرعية والانقلاب على حد سواء، وباتت تمثل خطراً على المسافرين، إذ تقوم بالتقطع لهم في العادة في المناطق الخالية من السكان، ويزداد خطر هذه العصابات في الليل.
الحرب جعلت المواطنين يحجمون عن الانتقال من مدينة إلى أخرى، إلا للضرورة القصوى، في ظل احتياطات وتخوفات كبيرة من المسافرين قبل اتخاذهم قرار المغامرة ومحاولة السفر، فمعظم المسافرين، خصوصاً الذين يسافرون من مناطق الشرعية إلى مناطق الانقلاب أو العكس، يحرصون على “فرمتة” تلفوناتهم وحذف الأرقام والصور، أو ترك الهواتف الذكية واستبدالها بهواتف عادية تجنباً للاعتقال، كما يحرص الكثير من المواطنين على السفر بصحبة النساء، لأن السيارات التي فيها نساء تتعرض لمضايقات أقل مقارنة بالسيارات التي يكون كل المسافرين فيها رجالاً.
السفر من صنعاء إلى مأرب صار محفوفاً بالصعوبات والمخاطر، بعد طول المسافة عبر الطريق الجديدة المستحدثة، بالإضافة إلى التحديات الأمنية المتمثلة بالنقاط العسكرية التابعة للانقلابيين وللحكومة الشرعية، فقد كان السفر من صنعاء إلى مأرب، يحتاج إلى 3 ساعات فقط عبر طريق مباشرة تمتد لــ198 كيلومتراً، لكن هذه الطريق لم تعد سالكة منذ بداية الحرب، وتم استبدالها بطريق تمتد من صنعاء إلى ذمار جنوباً، ومنها إلى رداع والبيضاء شرقاً، ومن ثم التوجه من البيضاء إلى مأرب شمالاً، في طريق تستغرق أكثر من 12 ساعة، وقد تصل إلى 24 ساعة في حال طالت المضايقات في النقاط الأمنية.
المسافر الذي ينتوي السفر من صنعاء إلى خارج الوطن عبر مطار سيئون الدولي التابع للحكومة الشرعية، يضطر للسفر إلى مأرب أولاً، ومن ثم السفر من مأرب إلى سيئون، في رحلة قد تطول ليوم وليلة، وبمجرد حمله جوازاً وتذكرة سفر يزداد حجم المضايقات التي يتعرض لها المسافر في النقاط الأمنية التابعة للانقلابيين الحوثيين، وبخاصة في النقطة العسكرية الأشهر والمعروفة بنقطة ”أبو هاشم”، والواقعة في رداع، تحت سيطرة القيادي الحوثي أبو هاشم، القائد السابق للنقطة التي باتت تعرف باسمه، والقيادي الحوثي أبو صرخة المسؤول الحالي عن النقطة، وهي أكثر النقاط التي يتعرض فيها المسافرون للمضايقات والابتزاز والتحقيق الذي يمتد لساعات، حتى صارت هذه النقطة حديث الشارع اليمني نتيجة الانتهاكات التي تمارسها بحق المسافرين.
“بمجرد أن تكون وجهتك مأرب، فهذه تهمة بحد ذاتها، ستعرضك للمخاطر في نقطة أبو هاشم”؛ هكذا تحدث سعيد الأزرق الذي أضاف: “سافرت من صنعاء إلى مأرب لقطع جواز سفر، وقد تم إيقافي في نقطة أبو هاشم مع معظم المسافرين الذين كانوا معي في حافلة شركة نقل بري خاصة، وتم اتهامي بأني مجند مع العدوان، وتعرضت للضرب والإهانة من قبل أفراد النقطة، وتم احتجازي لمدة أسبوع، ولم يتم الإفراج عني إلا بعد تقديم مبلغ مالي مقداره 200 ألف ريال، والتوسط من بعض قيادات الحوثيين في صنعاء، والتوقيع على التزام خطي بأني لا أعمل مع العدوان”.
في نقطة أبو هاشم هناك العديد من التهم التي يتم إلصاقها بالمسافرين، مثل العمل لدى العدوان، وتهمة التخابر، والدعشنة، والعمل لدى غرفة عمليات العدوان، والعمل على زراعة الشرائح التابعة للعدوان، وغيرها من التهم التي يتم التحقيق مع المسافرين بعد اتهامهم بها.
ويتم التحقيق مع المسافرين داخل خيمة كبيرة قريبة من النقطة، حيث يتعرضون للضرب والإهانة بهدف الابتزاز، ويتم الإفراج عمن لا تثبت عليه أية تهمة مقابل مبلغ مالي بضعة آلاف من الريالات، فيما يتم احتجاز آخرين لأيام وأسابيع، وإرسال البعض منهم إلى معتقلات تابعة للحوثيين في صنعاء وذمار والبيضاء، كما يتم ابتزاز أصحاب الشاحنات لدفع مبالغ مالية باهظة تصل إلى 100 ألف ريال، أو احتجاز الشاحنة والبضاعة الموجودة عليها لحين تسليم المبلغ المالي المحدد من قبل النقطة.
النساء أيضاً يتعرضن في نقطة أبو هاشم لأبشع الانتهاكات المخالفة للقوانين والأعراف والأخلاقيات التي يمتاز بها المجتمع اليمني، حيث يرغمن على كشف وجوههن وتفتيش أغراضهن الخاصة، وتتعرض بعض المسافرات للإهانة والضرب، بل وصل الحد بنقطة أبو هاشم إلى حلق شعر بعض النساء، حيث أقدمت مليشيا الحوثي الانقلابية المتواجدة في تلك النقطة، في الـ11 من أكتوبر الماضي، على حلق شعر عروستين من بنات محافظة حجة، أثناء قدومهما إلى محافظة مأرب، حيث ينتظرهما العريسان، وهو ما يعد “عيباً أسود” كما هو معروف في عرف المجتمع اليمني.
ونتيجة للحرب الدائرة في اليمن، فإن هناك عدداً كبيراً من اليمنيين قُيدت حرية تنقلهم بشكل كامل، وباتوا تحت الإقامة الجبرية، وفي مقدمتهم برلمانيون وقيادات حزبية تم وضعهم تحت الإقامة الجبرية من قبل جماعة الحوثي التي تخشى من سفرهم إلى مناطق الحكومة الشرعية، وإعلان تأييدهم لها، ومعظم هذه القيادات ينتمون للمؤتمر الشعبي العام، حيث تزايد عدد القابعين تحت الإقامة الجبرية بعد انتفاضة 2 ديسمبر 2017 وفض التحالف بين المؤتمر الشعبي العام وجماعة الحوثيين.
كما أن هناك عدداً آخر تم الحد من حرية تنقلهم، حيث يسمح لهم بالسفر للضرورة القصوى في حالات استدعاء سفرهم للعلاج أو أداء الشعائر الدينية أو غيرها، مع وجود ضمانات بعودتهم عقب انتهاء دواعي السفر، وهو الأمر الذي يمارس أيضاً في بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية.
الناشط الحقوقي المقرب من جماعة الحوثيين الانقلابية، علي الديلمي، اتهم حزب الإصلاح باختطاف العلامة يحيى الديلمي ومرافقه فؤاد فاخر، في مأرب، بعد ذهابهما للحج وممارسة حقوقهما الدينية وحق المواطنة، حيث تم اختطافهما بتوجيهات مباشرة من عبدالوهاب الآنسي ومحمد اليدومي وعلي محسن، بحسب من قام بتحذيرهما بعدم العودة من طريق مأرب، حسب ما ذكره الديلمي الذي حمَّل تلك القيادات وحزب الإصلاح وكل المحرضين على الاختطافات وكل من شارك فيها، المسؤولية الكاملة، مؤكداً عدم استثناء أحد من المسؤولية القانونية والجنائية.
كما أن اليمني بات يعاني من صعوبة كبيرة في استخراج جواز السفر بعد صدور قرار من الحكومة الشرعية بإلغاء الجوازات الصادرة من المناطق الواقعة تحت سيطرة الانقلابيين، ما جعل المواطنين في مناطق سيطرة الانقلابيين يغامرون بالسفر إلى مناطق الشرعية لقطع جوازات جديدة، في ظل استهدافهم من الانقلابيين الذين يقومون باعتقال أي مواطن يجدون في حوزته جوازاً صادراً من مناطق الشرعية، بالإضافة إلى الأسعار الباهظة لاستخراج الجوازات، في ظل وجود سماسرة يتاجرون بالجوازات ويتعاملون معها كوسيلة للاسترزاق.
عبدالرحمن القحطاني كان واحداً من ضحايا هذه التعسفات، حيث يؤكد أنه تم منعه من قبل الحوثيين من السفر إلى تعز لقطع جواز سفر كي يسافر إلى القاهرة لإجراء عملية جراحية للكبد، حيث قامت نقطة عسكرية تابعة للحوثيين باعتقاله مع ولده الذي كان مرافقاً له، بعد معرفة عزمهما قطع جوازات من تعز استعداداً للسفر للعلاج في مصر، على الرغم من التقارير الطبية التي توصي بعلاجه في الخارج، وتم الإفراج عنهما بعد توقيعهما على التزام خطي بعدم السفر إلى المدن الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، التي تصفها جماعة الحوثيين بـ”المرتزقة”.
وأمام التحديات والمعوقات التي يواجهها اليمنيون إزاء ممارسة حق التنقل، يظل الأمل بانتهاء الحرب، وعودة الحقوق المصادرة من قبل أطراف الحرب، ليعيش اليمنيون بحب وسلام، يمارسون حقوقهم المكفولة بالشرائع والدساتير، بكل حرية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق