ترجماتسلايدر

مجلة فرنسية: السكان في اليمن فريسة لإدارة الحوثيين لكوفيد 19

كانتين مولر، مجلة "سلات" الفرنسية*

المدونة اليمنية : ترجمة خاصة.

تأخر انتشار الاصابات في اليمن بكوفيد 19 جراء العزلة العميقة بسبب الحرب التي أضعفت نظامها الصحي، وحالياً تغرق البلاد كل يوم شيئاً فشيئاً في الوباء.

إنها السنة الرابعة من الدراسة، وليست ياسمينة مستعدة لنسيانها. وحاليًا تواجه طالبة طب الطوارئ الشابة بمستشفى الثورة العام بصنعاء انفجاراً هائلا في عدد حالات “كوفيد 19” بالعاصمة. الوضع كارثي مقترنًا بنقص شامل في الوسائل وإدارة اتسمت بالعنف للفيروس من قبل المتمردين الحوثيين.

 

تؤكد ياسمينة: “الوضع بشكل عام سيء حقًا. ومع ذلك، فإنني أعمل في أكبر مستشفى في البلاد، في صنعاء، حيث ما زالت البنية التحتية الطبية هنا أفضل من أي محافظة أخرى.” لا يوجد في البلاد حاليًا مخزون من المعدات الطبية لمكافحة وباء كوفيد 19. تزداد صعوبة العثور على الترمومتر الضوئي أو التقليدي لقياس الحرارة في السوق. تقول ياسمينة أيضًا أن عليها شراء معدات الوقاية الخاصة بها، فهي لا تستلم أيًا منها من المستشفى الذي تعمل فيه. كما تضيف عبر المراسلة الآمنة: “بعض الأطباء ليس لديهم وسائل الوقاية هذه. لذلك في ظل هذه الظروف، من الطبيعي أن تخاف عندما تواجه مرضى كوفيد 19”.

يتكلف قناع (N95) وفلتر الحماية من التلوث بالجسيمات حوالي 8 دولارات لكل قطعة. سعر يمثل ما لا يقل عن أجر أربع وعشرين ساعة من عمل الطبيب، وستة وثلاثين ساعة من عمل الممرضة. على مدار شهر كامل من الاستخدام اليومي لأقنعة (N95)، تمثل معدات الوقاية ضد الفيروس (بدون احتساب تكلفة العباءات والقفازات) 60 ٪ من الراتب الشهري للطبيب، مقابل 133 ٪ للممرضة.

منذ أن استولى المتمردون الحوثيون على العاصمة في سبتمبر 2014، لم تعد الحكومة المركزية تضمن بانتظام رواتب موظفي الخدمة المدنية، ومن ضمنهم موظفي المستشفيات. يُدفع لبعض موظفي الخدمة المدنية مرة واحدة فقط كل ثلاثة أشهر والبعض الآخر لم يتلق أي راتب منذ عدة سنوات. “لأن المستشفيات العامة لم تعد تتلقى ميزانية حكومية، فقد رفعت أسعار خدماتها لدفع ثمن المعدات المحدودة وخاصة الموظفين،” تقول ياسمينة بمرارة. وبالتالي، يُدفع للطبيب 13 دولارًا (11.4 يورو) لكل يوم عمل وللممرضة 6 دولارات (5.2 يورو).

غادرت الغالبية العظمى من الأطباء المنتظمين والخريجين البلاد قبل أو أثناء الحرب، مفضلين اعتبارات أفضل للرواتب وحياة أكثر سلامًة في مصر أو المملكة العربية السعودية أو الأردن، تاركين 55 مديرية من البلاد من أصل 333 بدون طبيب. يجد اليمن نفسه بدون عدد كاف من العاملين الصحيين المؤهلين لمواجهة مع مثل هذا الوباء.

اليوم، 53 ٪ من المرافق الطبية ليس لديها طبيب عام و45 ٪ تفتقر إلى المتخصصين. في اليمن، لا يوجد سوى حوالي 10 متخصصين صحيين لكل 10000 شخص، أقل بكثير من الحد الأدنى البالغ 41 لكل 10000 شخص.

في صنعاء، يدير طلاب الطب غالبية المستشفيات العامة اليمنية اليوم، وغالبًا ما سُلمت هذه المستشفيات إليهم، دون أي رؤية أو خبرة. ويواجه هؤلاء الطلاب أيضًا سكانًا أكثر فقراً وعصبية وأقل قدرة على الرعاية من الناحية المالية. “لم يعد غالبية المرضى يستلمون أي راتب. فقط المزارعون أو بائعو القات هم من يكسبون المال في شمال البلاد. وبهذا فإن نسبة كبيرة من السكان الذين يديرهم الحوثيون لا يمكنهم المطالبة بالرعاية أو الخدمات الطبية،” تصف ياسمينة

طالبت الطالبة الشابة وزملاؤها مرارًا وتكرارًا بمزيد من الموارد والرواتب من المتمردين الحوثيين. وقد تم إلغاء بعض عمليات تناوب الأطباء والممرضين في “مستشفى الثورة” طواعية من قبل طاقم التمريض احتجاجًا على ذلك. لكن بدون جدوى. تكشف ياسمينا أنه: “في الوقت الذي ننتظر فيه جميعًا شهاداتنا، يبقينا الحوثيون على ذلك”.

منذ وصولهم إلى العاصمة، تصرف المقاتلون الزيديون تدريجياً كأنهم قوة احتلال، فقد استبدلوا الموظفين المدنيين في المناصب الرئيسية، مثل التعليم أو الصحة، بمسلحين من أنصار الله (الفرع السياسي للحوثيين). ظاهرة تؤدي إلى انخفاض نوعي في إدارة الدولة المتأثرة بالفعل جرّاء العديد من حالات المغادرة.

إن كانت الخبرة الطبية تعاني من نقص كبير، فإن أسرّة العناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي نادرة للغاية. وفقا لمنظمة الصحة العالمية، يوجد 520 سرير عناية مركزة و154 جهاز تنفس صناعي فقط في البلد بأكمله. تعتبر أسرة العناية المركزة وأجهزة التنفس الصناعي معدات نادرة لا يتردد الحوثيون في الاستيلاء عليها بالقوة إذا لزم الأمر لأحد الوالدين أو مقاتل في الجبهة. “يمكنهم حجز أسِّرة العناية المركزة لأنفسهم أو لعائلاتهم. حيث أعمل، إذا كان لديك مريض من عائلة أحد المشرفين الحوثيين، فعليك معالجته حتى لو لم يكن لديك مكان. في بعض الأحيان يتعين علينا نقل المدنيين إلى مكان آخر بالقوة لإفساح المجال لهم”.

يذهب الحوثيون، في شمال اليمن، إلى أبعد من ذلك. ففي صنعاء، يُطلب من كل طبيب إبلاغ المتمردين عن أي أشعة للرئة مشتبه بإصابتها. ثم يتم اقتياد الشخص المشتبه بإصابته بالقوة للحجر الصحي، بل وتقوم ميليشيا الحوثيين أيضًا بتوقيف عائلته وأقاربه لوضعهم في الحجر الصحي. تم تداول العديد من مقاطع الفيديو على الشبكات الاجتماعية التي تظهر المسلحين الزيديين يرتدون المعاطف البيضاء، ويتسلحون ببنادق الكلاشنيكوف، وهم يغلقون الأحياء بعيارات تحذيرية.

مع عدم وجود تأثير للإعلام، نفذ الحوثيون خطة صارمة في صنعاء لمحاربة الوباء. وأحياء العاصمة العشر محصورة الآن. إنها كارثة بالنسبة لبشير المهلل، رئيس قسم التواصل السابق للرئيس عبدربه منصور هادي: “يعتمد جزء كبير من الصنعانيين على المساعدات اليومية من الجيران أو على التسول لتناول الطعام”.

يعاني المغتربون، وهم مصدر الدخل الآخر لليمنين، من تراجع النشاط الاقتصادي في دول الخليج. كان إغلاق العديد من مواقع البناء في المملكة العربية السعودية أو الإمارات كارثة غير مباشرة للعائلات التي تعتمد على الأموال المرسلة من الخارج. في العام الماضي، بلغت التحويلات النقدية للمغتربين إلى اليمن – معظمهم عمال – 3.8 مليار دولار، أو 13٪ من الناتج المحلي الإجمالي الوطني.

وتقدر منظمة أوكسفام انخفاض هذه التحويلات بنسبة 80٪ في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2020. أشار بشير المهلل إلى أن “الكثير من العائلات في اليمن تعيش على هذه التحويلات من المغتربين الذين ظلوا أيضًا محاصرين في الحجر الصحي ولم يتلقوا راتبًا. في بعض الأحيان يمكن إرسال 100 دولار من عامل مغترب إلى عدة عائلات. يعتبر الحجر الصحي ونقص الدخل والجوع بنفس خطورة الفيروس.”

لم تبرر السلطات الأرقام التي تدعم هذه التدابير لتقييد الحركة من صنعاء وإليها. حتى الآن، أعلن وزير الصحة الحوثي طه المتوكل رسمياً عن عدد قليل من حالات الكوفيد 19 الإيجابية في العاصمة.

تشكو ياسمينة: “لسنا نحن المسؤولين عن القيام بفحص المرضى المشتبه بهم، بل الحوثيين”. لا يزال عدد الحالات الحقيقية غير معروف. لكن الطالبة الشابة حصلت على وثيقة تظهر فيها نتائج كوفيد 19، مشيرة إلى وجود عدة حالات إيجابية داخل مستشفى الكويت في صنعاء وفي أماكن أخرى. تضيف ياسمينة: “إنها ورقة واحدة فقط من نتائج الفحوصات …”.

في تقرير بتاريخ 10 يونيو، أكدت منظمة أطباء بلا حدود أنها عالجت “مئات المرضى الذين يعانون من أعراض تنفسية في مراكزهم في صنعاء وعدن، وفي مراكز أخرى تديرها أو تدعمها منظمة أطباء بلا حدود في شمال اليمن، كما في حجة وخمر وإب وحيدان والحديدة.”

“إنهم لا يريدون أن يُعرف الأمر لأنه بخلاف ذلك سيتوجب القيام بحجر صحي في شمال اليمن. إنهم يخشون من إغلاق المطارات دوليًا ولن يعودوا قادرين على توفير عدد كبير من المواد الطبية أو المواد الغذائية،” يحلل فرانسوا فريسون روش، الباحث المتخصص في شئون اليمن في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.

منذ أبريل، يحاول المجتمع الدولي والتحالف العربي، بقيادة السعودية، التفاوض على وقف لإطلاق النار مع المتمردين الحوثيين. ولكن على الجبهة، في شرق صنعاء، بالقرب من مأرب، حقق المحاربون الزيديون توغلات عسكرية كبيرة. “لقد كان الأمر مغريًا بشكل جيد للمملكة العربية السعودية التي قد تتحسن صورتها من خلال تعليق الحرب لمدة شهر بينما على الواقع ما زالت الحرب دائرة على ساحة المعركة وما زالت القوات الحكومية التي تدعمها تخسر عدة معارك”، يحلل فرانسوا فريسون روش. الحوثيون، الذين يتوسعون بسرعة نحو الشرق ويستعدون لزيادة الضغط على المملكة العربية السعودية في الفترة التي تسبق معاهدة سلام مستقبلية، ليس لديهم مصلحة في أن يعمل وباء كوفيد 19 على خفض تقدمهم على الجبهة.

أوجد تضارب الأخبار في إدارتهم الديكتاتورية لكوفيد 19 العديد من نظريات المؤامرة بين السكان اليمنيين.

وجد تقرير حديث لـ (ACAPS)، وهو مزود مستقل للمعلومات الإنسانية، أن أكثر من 300 قصة إخبارية مزيفة تتعلق بالفيروس انتشرت على نطاق واسع في المجتمع اليمني. من بينها، شائعة تتناول الممارسة المنتظمة للتخدير العميق حتى الموت في المستشفيات العامة التي يديرها الحوثيون.

تناقل الناس كثيرًا على الشبكات الاجتماعية مذكرة مفترضة من وزير الصحة لدى الحوثيين. تذكر المذكرة أنه يجب على السلطات إجبار المسؤولين عن الحجر الصحي في صنعاء على اعطاء حقنة مميتة لجميع المرضى الذين يكون تشخيصهم إيجابي لمرض كوفيد 19للتخلص من هؤلاء المرضى. المذكرة وهمية، ومن الظاهر أنها ملفقة كلياً، لكنها استمرت في تضخيم المخاوف والأوهام حول الفيروس.

كما قام الحوثيون بتسييس الفيروس وادلجته إلى حد كبير، وتنوعت لديهم الخطابات المتناقضة في بعض الأحيان. وفقًا لهم، فإن أحيانًا ما كان كوفيد 19 خلق الله “الذي أرسله نتيجة أعمال السوء التي يرتكبها البشر العصاة”، وأحيانًا صنيعة “اللوبيات الصهيونية والولايات المتحدة الذين تلاعبوا بهذه الخليقة الإلهية لجعلها حربًا بيولوجية من أجل الإضرار بالصين، وبالمنافس الاقتصادي والحضارة المنافسة [الحوثيين]”. اتهم الحوثيون عدة مرات الولايات المتحدة وحلفائها بنشر الفيروس في شمال اليمن “بوسائل محددة”، مثل المساعدات الإنسانية أو المساعدة الطبية والمواد والغذائية.

في عدن، جنوب البلاد، يعتبر تدفق الناس من خارج البلاد أكبر منه في الشمال. على الرغم من الغياب العام للشفافية بشأن عدد الحالات التي تم تحديدها وندرة الفحوص في البلاد (حتى 30 مايو، 314 حاله إصابة منها  78 حالة وفاة وفقط 2678 شخصًا فقط تم فحصهم من أصل 28 مليون نسمة)، وبهذا من الطبيعي أن يُثبَت أن جنوب البلاد متأثر حاليًا بالوباء أكثر من الشمال.

منذ صيف عام 2019، عرقلت التوترات بين الحكومة المركزية والانفصاليين الجنوبيين (المجلس الانتقالي الجنوبي) بشكل كبير الأداء السليم للخدمات العامة وإدارتها. اندلعت المظاهرات في عدن في أواخر مايو، مما أدى إلى تسريع انتشار الفيروس. وخرجت هذه المسيرات نتيجة عدم قدرة المجلس الانتقالي على توفير الخدمات العامة الأساسية بعد الفيضانات الرهيبة التي دمرت العديد من الأحياء والعديد من المنازل بما فيها من المخزون الغذائي الذي خزنه السكان في منازلهم.

كشف برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة مؤخراً أن معدلات سوء التغذية بين النساء والأطفال في اليمن هي من أعلى المعدلات في العالم. أكدت الامم المتحدة في تقرير أن: “أكثر من مليون امرأة ومليوني طفل بحاجة إلى معالجة سوء التغذية الحاد. ونحو 360 ألف طفل معرضون لخطر الوفاة لعدم توفر العلاج”. بإمكان سوء التغذية العام أن يزيد من وفيات الفيروس بين السكان الذين يفتقرون إلى الدفاعات المناعية.

كما هو الحال في الشمال، لا يتم دفع رواتب موظفي التمريض في الجنوب بشكل منتظم. ونظراً لنقص العائدات والوسائل الطبية، تخلت بعض المستشفيات العامة والخاصة عن علاج المرضى، بل وأغلقت أبوابها في بعض الأحيان أمام طوابير المرضى. تناقل الناس في اليمن بأكمله صورًا تُظهر صفوفًا من القبور المحفورة على عجلٍ في عدن. أظهرت هذه الصور مدى تفشي أزمة كوفيد 19 في اليمن.

اليمن في حاجة ماسة للمساعدات المالية والإنسانية، ومع ذلك لن يتم دعمه هذا العام مثل عام 2019. تسبب التباطؤ في الاقتصاد العالمي والأزمة الاقتصادية بشكل ملحوظ في إغلاق أو تخفيض 75 ٪ من برامج الأمم المتحدة في اليمن. كما خفّض برنامج الأغذية العالمي التابع للمنظمة العالمية حصصه الغذائية إلى النصف. بالنسبة لخطتها لعام 2020، تلقت الأمم المتحدة حتى الآن 15 ٪ فقط من 3.5 مليار دولار اللازمة للحفاظ على المساعدة الإنسانية الحيوية.

قلّل التحالف العربي المنخرط في اليمن منذ عام 2015 غاراته الجوية منذ نهاية عام 2019. وفي نهاية الأسبوع الخامس من “وقف إطلاق النار” الذي لم يكن موجودًا أصلًا، في منتصف مايو، تم تنفيذ 145 غارة، بما مجموعه 577 منذ بداية العام.

في شرق البلاد، في محافظتي حضرموت والمهرة، يدّعي السكان، الذين أنقذتهم الحرب، وجود حالات أقل من كوفيد 19. أما جزيرة سقطرى، وهي محمية تقع على بعد 350 كيلومترًا من الساحل، معزولة إلى حد كبير عن العالم، فقد اشتبهت مؤخرًا في إنتشار حالات إصابة سببتها الرحالة البولندية إيفا زوبيك. كانت هذه الشابة قد وصلت الجزيرة اليمنية في منتصف أزمة كوفيد 19 ورفضت الحجر لمدة أسبوعين على الرغم من رحلاتها السابقة إلى بنغلاديش وتايلاند ومصر. بعد عدة أيام من الحركة في جزيرة “العنقاء”، كما أطلق عليها هيرودوت، مرضت الشابة البولندية في أوائل أبريل، وظهر عليها أعراض الفيروس. ومرة أخرى، رفضت المرأة عزل نفسها مدعيةً إصابتها بمرض خفيف. لا يوجد في سقطرى اختبار فحص كوفيد 19 ولا تحتوي الجزيرة إلا على أربعة أسرّة للعناية المركزة.

في الشمال، وفي الجنوب، كما في الشرق، تختلف الأوضاع وفقًا للديناميكيات المحلية والسياسية. كما تكشف الجاذبية الجغرافية غير المتكافئة للوباء التفتت السياسي لبلد مفكك بالفعل.

___

* تقرير للصحفي كانتين مولر المتخصص في الشرق الأوسط والمغرب

http://www.slate.fr/story/191520/covid-19-yemen-crise-qui-n-en-finit-pas-guerre-famine-houthis

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق