تقاريرسلايدر
أخر الأخبار

قراءة في التحالفات السياسية للقوى المدنية في تعز

 المدونة اليمنية-خاص

في مدينة تعز والتي باتت تحت سيطرة حزب الإصلاح (الذراع السياسي لحركة الإخوان المسلمين) بعد نجاحه في السيطرة على مؤسسات الحكم العسكرية والمدنية، في خضم حالة الانفلات الأمني والفوضى غير المسبوقة التي ولدت كنتاج للسلطة المطلقة، صاعد وتيرة الانفلات على كافة المستويات، والذي استدعى حراكا شعبيا واسعا للمطالبة بإنهاء حالات الانفلات الأمنية والعسكرية، وصيانة الحقوق والحريات تم الإعلان عن ميلاد كيان سياسي ومجتمعي جديد تحت اسم الحركة الشعبية لإنقاذ تعز “يكفي”.

يهدف الكيان الجديد والذي تم الإعلان عنه في 19 أغسطس 2021 بعد سلسلة من الاجتماعات واللقاءات التشاورية التي أجرتها عدد من الشخصيات الاجتماعية والسياسية والنقابية في محافظة تعز، يهدف إلى التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان والانفلات الأمني، بالاعتماد على كافة أشكال النضال المدني السلمي.

الحركة الشعبية لإنقاذ تعز (يكفي)،بحسب بلاغ الإشهار الصادر عنها بأنها حركة مدنية شعبية، تضم شخصيات سياسية ونقابية وحقوقية ونسوية وشعبية تنتمي لمدنية تعز والمشروع الوطني، وتناضل من أجل التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان والانفلات الأمني وتحقيق إصلاحات واسعة على مختلف الأصعدة الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتعتمد كافة أشكال النضال المدني السلمي.

وأعلن بلاغ الإشهار أنه تم اختيار“ الدكتور عبد الرحمن الأزرقي ”منسقا عاما للحركة، والمحامي توفيق الشعبي ناطقا رسميا لها، كما أقر البلاغ، تفعيل الحراك الجماهيري الشعبي المدني السلمي، وتبني برنامج متكامل يتضمن إصلاحات واسعة على مختلف الصعد، لمناهضة كافة أشكال الانفلات والفوضى التي تعيشها محافظة تعز، معلنا عن تنظيم مسيرة جماهيرية للتنديد بجرائم الانفلات الأمني التي تعيشها محافظة تعز، والمطالبة بإقالة ومحاسبة كافة القيادات العسكرية والأمنية المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان.

الإعلان عن إشهار الحركة الشعبية لإنقاذ تعز يأتي في سياق المخاضات الطويلة والشاقة للتيار المدني في تعز، والذي يحاول جاهدا استعادة مكانته الطبيعية في المحافظة التي تعد معقل التيار المدني في اليمن، وهي المخاضات التي لم تزل تتصاعد وتيرتها منذ ثورة 11 فبراير 2011. فقد مثلت تجربة اللقاء المشترك والتي أعلن عنها في فبراير 2003، مثلت تجربة فريدة وغريبة في نفس الوقت في إطار التحالفات السياسية في المنطقة العربية، نتيجة المتناقضات الفكرية والأيدلوجية التي ضمها هذا التحالف والذي ضم أحزابا إسلامية واشتراكية وقومية في إطار تحالف سياسي واحد، كان له بعض الإيجابيات والعديد من السلبيات أيضا، فقد تم تشكيله من سبعة من أحزاب المعارضة الرئيسية هي التجمع اليمني للإصلاح، والحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وحزب البعث العربي الاشتراكي بالإضافة إلى اتحاد القوى الشعبية اليمنية، وحزب الحق.

على أن القائمين على تجربة اللقاء المشترك وأثناء تأسيسه لم يكن لهم قراءتهم السياسية المستندة على قراءة صحيحة للواقع، بل إن الدافع الأبرز لقيام هذا التحالف الذي ضم كل المتناقضات كان إسقاط نظام علي عبد الله صالح، ولأن تشكيل التحالف السياسي لم يكن يستند على قراءات سياسية، فإن مسيرة التحالف السياسي هي أيضا كانت تفتقد للعمل المنهجي من خلال افتقاد اللقاء المشترك للبرامج والمشاريع السياسية واضحة المعالم والأهداف، والتي تستند إلى تشخيص حقيقي للواقع ما جعل هذا التحالف السياسي يبقى في واقع الأمر محصورا في إطار القيادات العليا للأحزاب المكونة له، في حين ظل عاجزا على أن يعكس نفسه على قواعد هذه الأحزاب، وهذه الإشكالية ظهرت بشكل جلي في الانتخابات البرلمانية التي تمت في العام 2003 وكذا في الانتخابات الرئاسية والمحلية في 2006، كما ظهرت أيضا في انتخابات النقابات المهنية والعمالية، وفي تباين المواقف من القضايا العامة التي تهم الشارع اليمني.

فقد ظلت القيادات العليا لأحزاب اللقاء المشترك تمارس العمل السياسي دون منهجية علمية، وهذا ما جعل تجربة التحالف السياسي تفتقد لمنهجية العمل طوال مراحلها المختلفة، وهي المراحل التي ظلت بعيدة عن التقييم والتقويم، وبالتالي معالجة الاختلالات التي زادت من الفجوة القائمة أصلا بين أحزاب المشترك.

بعيدا عن النظرة المثالية لقيادات اللقاء المشترك، كانت قواعد الأحزاب أكثر واقعية في التعامل مع طبيعة التحالف الذي يعاني من كثير من القضايا والإشكاليات التي يتم تأجيل مناقشتها وحسمها من قبل القيادات، وهو ما زاد من حجم الفجوة والتنافر بين أحزاب المشترك التي جمعت النقيضين “الديني والمدني” في بوتقة واحدة.

افتقاد قيادات اللقاء المشترك للرؤوية السياسية التي تشخص مشكلات البلد وتقدم الحلول لها من خلال البرامج السياسية القابلة للتطبيق، تسبب في خلق فجوة شاسعة بين اللقاء المشترك والشارع اليمني، ففي حين كانت قيادة اللقاء المشترك تطالب بإجراء إصلاحات سياسية في هيكل النظام، كانت فئات الشعب المختلفة تخرج مطلع 2011 إلى الساحات والميادين في مدن المحافظات المختلفة لترفع شعار إسقاط النظام، وهو الحراك الذي التحق به اللقاء المشترك ولم يكن صانعه.

كانت أحداث 2011 بمثابة المتنفس الذي نجحت فيه قواعد الأحزاب من التعبير عن قناعاتها بحرية مطلقة، ولذا فقد عبرت هذه القواعد وخاصة في ساحة تعز عن طبيعة الخلاف التاريخي بين الأحزاب المدنية “الاشتراكي والناصري والبعث” من جهة والأحزاب الدينية ممثلة بالتجمع اليمني للإصلاح، وهي الخلافات التي انعكست بعد ذلك على المستوى الأعلى، ليدخل اللقاء المشترك بعد ذلك في مرحلة التلاشي والانهيار. أضف إلى ذلك شعور أعضاء أحزاب اللقاء المشترك والذين شاركوا في اعتصامات 2011 بالاستياء من تعامل قيادات المشترك مع أحداث الثورة، والتي يتهمهم الأعضاء بتحويلها من ثورة إلى أزمة سياسية بقبولهم التوقيع على المبادرة الخليجية، وهو ما ضاعف من حالة الخلخلة داخل كيان اللقاء المشترك، وداخل الأحزاب المكونة له أيضا.

في المرحلة الانتقالية التي تلت التوقيع على المبادرة الخليجية وتنصيب عبد ربه منصور هادي رئيسا للبلاد، تزايدت حجم الهوة بين أحزاب المشترك، حيث ذهب حزب الإصلاح ذو التوجه الإسلامية يتعامل مع الثورة كمغنم من خلال محاولات الاستحواذ على المناصب القيادية في السلطة، وهو ما أكد أن المشترك كتحالف سياسي لم يكن يمتلك مشروعا خاصا بالثورة ولا بإدارة المرحلة الانتقالية، وهو ما ضاعف من حالة التشظي التي يعاني منها هذا التحالف في ظل وجود مشاريع جديدة تتخلق ويتم الإعداد لها من قبل لاعبين جدد في الساحة السياسية اليمنية.

الانقلاب الذي قادته جماعة الحوثي على الدولة في سبتمبر 2014 كان بمثابة المسمار الأخير في نعش اللقاء المشترك، خاصة مع حالة التباينات في المواقف من الانقلاب بين أحزاب المشترك التي انقسمت بين معارض ومؤيد للانقلاب، كما أن الانقلاب قد أحدث حالة شق في إطار الأحزاب السياسية نفسها، حيث إن جميع الأحزاب وبلا استثناء شهدت انقساما في الصف القيادي الأول لها من خلال ذهاب قيادات عليا بمخالفة الموقف العام للحزب من الانقلاب.

بالإضافة إلى ذلك فإن الانقلاب كان له أثرا كبيرا على العمل السياسي بالمجمل، وكان سببا رئيسيا في وفاة اللقاء المشترك، وفي هذا السياق قال الأمين العام للتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري المحامي عبد الله نعمان محمد، في تصريحات صحفية له إن تحالف اللقاء المشترك في حالة موت سريري ولم يعد موجوداً على الصعيد المركزي كهيئة، وإن مساحة التباين بين مكوّناته قد اتسعت، مشيراً إلى أن هذا التباين تحوّل إلى فراق وانقسام بعد اجتياح العاصمة صنعاء من قبل الانقلابيين.

مع تشكيل المقاومة الشعبية التي قاومت عدوان ميليشيا الحوثي علي تعز، ظهرت جماعات مسلحة تدعي انتسابها للمقاومة، وتمارس ثقافة دخيلة علي تعز وثقافتها المدنية من خلال زرع الفتن وإرهاب المواطنين وقتلهم وممارسة أعمال البلطجة والنهب والابتزاز والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وغيرها من الأعمال التخريبية، وهو الأمر الذي أثار حفيظة القوى المدنية، خاصة أنها ترى أن معظم هذه الجماعات المنفلتة كانت تابعة لحزب الإصلاح الجناح السياسي لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين.

كانت القوى المدنية في تعز ترى أنه نظراً لعجز الأشكال القائمة عن تلبية المتطلبات الأساسية للحاضنة الشعبية ولأبناء المحافظة عموماً، فإن الحاجة تفرض إيجاد أشكال جديدة من التكتلات السياسية تتواءم والمهام الجديدة والتي في مقدمتها بناء الدولة واستعادة مؤسساتها الشرعية وتطبيع الحياة المدنية كحق بديهي للمواطنين التواقين لقيام دولة العدل والنظام والقانون، كما يقع على عاتق هذه التكتلات مهام وطنية تفرضها التحديات الماثلة والأخطار المحدقة بالوحدة الوطنية وبالكيان السياسي الوطني الجامع، خصوصاً مع تنامي الدعوات الطائفية والتفكيكية وهيمنة المشاريع الصغيرة.

وأمام السياسة التي مارسها حزب الإصلاح في تعز، تداعت المكونات والفعاليات السياسية والاجتماعية والأكاديمية والإعلامية والشبابية والنسوية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية في المحافظة في 2016 إلى تأسيس تحالف سياسي تحت اسم “التكتل المدني”، يهدف لإسناد معركة التحرير واستعادة دور الدولة ومؤسساتها من عصابة الانقلاب، والحفاظ على السلم الاجتماعي، ومواجهة التحديات التي تعصف بالمحافظة ووقف التداعيات السلبية الناتجة عن انتشار السلاح والتفرد بالسلطة والثروة.

وفي إطار التكتل المدني بدأت التباينات في الموقف من مشاركة حزب الإصلاح في التكتل بالظهور، حيث كان هناك طرف يرى ضرورة إشراك حزب الإصلاح في التكتل المدني باعتباره من أكبر الأحزاب السياسية الفاعلة في الساحة اليمنية والتي لها تأثير كبير في إطار العملية السياسية، خاصة وأن هدف التكتل العام المعلن هو إشراك جميع القوى الواقفة ضد الانقلاب، وبالتالي لا يمكن تجاوزه، في حين يرى البعض الآخر أن التجمع اليمني للإصلاح يمثل جزءا كبيرا من المشكلة ولا يمكن أن يكون جزءا من الحل، خاصة وهو المسؤول عن جملة من الممارسات والسياسات التي تتناقض مع طبيعة العمل المدني، وتقف حجر عثرة في مسيرة استعادة الدولة وتفعيل مؤسساتها.

كما أن عدد من الناشطين في حزب الإصلاح بدءوا بشن الهجوم الإعلامي ضد التكتل الذي كان في مرحلة المخاض، حيث اتهموه بأنه يأتي لمقاومة المقاومة، وإن اللجنة التحضيرية للتكتل “عميلة” لدولة الإمارات العربية المتحدة وتنفذ أجندتها في تعز على حد قولهم.

نجح التجمع اليمني للإصلاح في المراوغة السياسية واللعب على عامل إطالة الوقت بين الأخذ والرد، مما أدخل التكتل في حالة جمود، خاصة أن قيادة التجمع اليمني للإصلاح في المستوى الفوقي ممثلا بقياداته المتواجدة في الرياض بدأت باللعب على خيار الدخول في تحالف وطني يضم القوى السياسية المؤيدة للشرعية، وهو التحالف الذي ولد كصورة مطورة لتجربة اللقاء المشترك، وتسير بنفس مساراته بما فيها مسار الفشل والتلاشي.

 

وبالمجمل فإن القوى المدنية في تعز  شعرت باهمية تحمل مسؤوليتها في خلق كيان مدني معبر عن مدنية تعز ومشروعها الجمعي، يكون حاملا للمشروع الوطني الجامع، وهذا يحتم على القوى المدنية أن تقوم بتقييم التجارب السابقة من أجل تجنب تكرار الأخطاء، بحيث لا يولد الجنين السياسي مشوها، ويكون صورة مكررة لمشاريع تكتلات ولدت وهي تحمل شهائد وفاتها.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق