مقالات
أخر الأخبار

‏مركزية الجمهورية اليمنية في مستقبل الأزمة اليمنية.

 *عبدالله الدهمشي

 ‏يستمر الصراع الدامي في اليمن، وتأخذ مساراته اتجاهات تتباعد مع استمراره عن نقطة النهاية الممكنة بحسم عسكري أو حل سياسي، لأن توجهات أطراف الصراع الداخلي ومحركاته الخارجية تنطلق من رغبة في تجاوز الوطنية اليمنية وتسعى إلى النكوص ‏عن إنجازات نضالها في القرن العشرين، والتي تجسدت يوم الثاني والعشرين من مايو ١٩٩٠م في الجمهورية والوحدة الديمقراطية.

دعوني أتوقف هنا عند نقطة المساعي الراهنة لإنهاء الحرب في اليمن، وهي مساع تتخذ من الوجه الإنساني قناعاً للتغطية على مراميها الخفية في تجاوز الوطنية اليمنية والفقر على تجسداتها السياسية والجغرافية في الجمهورية اليمنية، وذلك لأن وقف العمليات القتالية ‏لا يقود إلى السلام المنشود في واقع الصراع، وإنما يكرس واقع العجز العسكري عن الحسم عند كل أطراف الاحتراب، ‏في الجغرافيا السياسية لليمن، وطناً وهوية ودولة مستقلة.

عبدالله الدهمشي
عبدالله الدهمشي

‏وتفصيل ذلك بكل إيجاز ووضوح أن وقف العمليات العسكرية من داخل اليمن وخارجه، يقود إلى وضع ميداني تمسك القوى المسلحة بواقع سيطرتها على الجغرافيا، منتجة بذلك مقاطعات لا يربط بينها أي رباط سياسي سوى التدخل الأممي الذي يحرك معطيات الجغرافيا السياسية لأسباب إنسانية، حيث يعتمد اليمنيون في معيشتهم على ما تجود به إنسانية المانحين من مساعدات تبقى على جزء من الشعب أحياء على الأرض، ولكن دون هوية أو وطن أو دولة. ‏هذا كلام جاف ‏وهو عند ‏بعض الساسة ومن يعرفون بالنشطاء تهاويم ‏المهووسين بنظرية المؤامرة..

لكن الوقوف عند بعض الحقائق الميدانية والوقائع المتحركة على مساراتها العسكرية والسياسية تكشف لنا بعض الحقائق التالية:

‏أولاً: إن جنوب اليمن ينشطر الآن بين جنوبيين ظاهرين وثالث مستتر، وهو سيستقر إذا فرض على اليمن وقف الحرب عنده جنوبين عاجزين عن تعريف الجنوب، وعن إثبات صلته الانعزالية أو الارتباطية بالجمهورية اليمنية.

‏ثانياً: إن شمال اليمن يستقر الآن للعنصرية الحوثية مع بعض جيوب متناثرة بين جماعة الإخوان وحراس الجمهورية، وشتات الوحدوي ‏الناصري والحزب الاشتراكي، وهو في حال فرضت القوى الدولية إنهاء الحرب سيكون موطن ‏تجاذبات خارجية، يمثل الجيبب الطائفي للحوثية مرتكزها الأكبر والأقوى تأثيراً وفعالية.

‏ثالثاً: إن المقترحات المطروحة الآن لإنهاء الحرب في اليمن تجتمع عند نقطة واحدة مؤداها ‏أن تستمر ‏أوضاع سيطرة الجماعات المسلحة على الجغرافيا السكانية، مع حظر أي تحول ممكن لأي من هذه الجماعات نحو امتلاك القوة القادرة على استعادة وحدة السلطة أو السيادة للشعب على الجغرافيا السياسية لليمن، والبديل المقترح للجمهورية اليمنية هو كانتونات أو مقاطعات الإدارة الذاتية.

‏وإذا كان هذا هو الواقع السائد الآن في الجغرافيا السياسية للجمهورية اليمنية، وإذا كان أيضاً هذا ‏هو المتاح في مقترحات الحل السياسي للأزمة، فإن الوطنية اليمنية تستدعي بكل ثقلها التاريخي عناصر وجودها ومقومات قدرتها في الشعب أولاً، وفي القوى الوطنية المعبرة عنه سياسياً لتكوين نقطة بدء تتصدى للواقع وتدفع عنه أطماع القوى المعادية للثورة والجمهورية والوحدة والديمقراطية.

‏ذلك أن التحدي القائم الآن هو تحدي المصير والكينونة المترتبة عليه وجوداً فاعلاً في الحاضر ومتحكماً في مساراته المستقبلية، وبكل ما تجسده ‏الجمهورية اليمنية من معاني النضال ومكتسباته التاريخية.

‏وأية ذلك أن الترويج إلى انتقال السلطة الآن من الرئيس هادي إلى خلف له نائباً توافقياً أو مجلساً رئاسياً هو تماماً ‏ذات النكبة التي صنعها رموزها في فبراير 2011م، وابتدأ منها تفكيك السلطة المؤسسية للجمهورية اليمنية، وتتجه الآن القوى الخارجية لتكريسها ‏مستقبلاً في كانتونات التمزق الطائفي والانعزاليات الجهوية. ‏

وشخصياً لم أكن من موالي دولة الرئيس الراحل علي عبد الله صالح، ولست الآن من موالي شرعية الرئيس عبد ربه منصور هادي، ولكني مواطن كنت وسأبقى وفياً لهذه المواطنة وما يترتب عليها من مصالح الوجود والمصير، ولن يتأثر وضعي بما يترتب على قولي هذا، ‏لا في السابق ولا في ما سيأتي من تحولات أرجو لها أن تكون على ذات المسار الذي صنعت به وقامت عليه الجمهورية اليمنية.

‏وهنا كلمة حق أوجهها للمجلس الانتقالي وبقية مكونات الحراك الجنوبي ‏ومضمونها يفيد أن النزعة الانعزالية عن الجمهورية اليمنية لا تقود أبداً إلى جنوب محدد وإنما إلى تجزئة الجنوب نفسه ‏إلى قسمين، أو أكثر هذا إذا كان حسن الظن يتوقف بنا هنا، ولا يتيح لسوء الظن أن يذهب بنا إلى احتراب أهلي في الجنوب، والواقعية هنا تدل إن النزعة الجنوبية نفسها تأخذنا إلى أن مصلحة الجنوب أولاً وأخيراً تكمن في التمسك بكل قوة بالجمهورية اليمنية. ‏أما النزعة الطائفية للحوشيين المرتهنة للأطماع الإيرانية، فإنها وحدها العدو الحقيقي للوطنية اليمنية بكل تجسداتها الجغرافية والسياسية حاضراً ومستقبلاً، والحوثية بطابعها الديني وتوجهاته الطائفية تجعل من الإخوانية والسلفية ‏رديفاً لها يناقض الوطنية اليمنية وتجسداتها التاريخية في الجغرافيا السياسية للثورة والجمهورية والديمقراطية والوحدة.

‏وهنا يصبح الوضع الممثل لمصلحة كل من الإمارات والسعودية، بصفتهما الآن القوة المجسدة لتحالف دعم الشرعية، ‏محصوراً في الدولة والدولة اليمنية ‏وحدها دون أي كيانات منازعة للسيادة، أو محصورة في الجغرافيا الانعزالية حتى في التصور الذي يجعل للرياض وأبو ظبي توجهاً سياسياً يتوهم قدرتهما على احتواء المد الطائفي لإيران في اليمن، ومواجهة تطرف جماعة الإخوان بالنزعات الانفصالية في الجنوب.

‏ولا حاجة هنا ‏للحديث عن أطماع عواصم الولاية أو الخلافة وما يرتبطان به من قوى دولية لها مصالح في تناثر الجمهورية اليمنية بين إقطاعيات عسكرية تتوزع قوتها على الجغرافيا السياسية، ولا تستطيع التقدم بها نحو الدولة اليمنية، ذلك أن ربيع الفوضى الخلافة التي تحركت في العام 2011م، ترتسم الآن على الجغرافيا القومية للوطن العربي الذي نكبت بعض أقطاره بهذه الفوضى ولا تحتاج إلى بيان أو إثبات.

‏ما يمكن أو ما هو متاح ‏لنقوله في هذه العجالة هو إن الوطنية اليمنية التي تجسدت في نضالها التاريخي بالقرن العشرين تستدعي الآن الانتصار لمنجزاتها واقعاً حاضراً ومستقبلاً، منشوداً في الجمهورية اليمنية حفاظاً على وحدة الجنوب وتمسكاً بالمواطنة ‏مبدأ ثابت للحقوق والواجبات في الشمال وَالْجَنُوب، وانتصاراً للوطن اليمني على كل ‏الاتجاهات الانعزالية والأطماع الخارجية.

والخلاصة أن الواقع السائد الآن على الجغرافيا السياسية في اليمن بما هي وطنية مجسدة في الجمهورية اليمنية، لا يسمح بالحسم العسكري أو الحل السياسي وإنما يتيح لقوى الوطنية أن تبني على عجز القوى المتصارعة مشروعاً بديلاً للتجزئة والاستسلام لقوى السيطرة العسكرية وهذا مفتتح نضال لا بد أن يبدأ ولا بد أن يبقى مسارا لا يتوقف إلا عند الاستعادة الكاملة للجمهورية اليمنية.

* صحفي وكاتب ومحلل سيلسي

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق